طين الأحساء لا يخذل أيادٍ صنعت منه فخارًا

 الكاتب علي أبو الليرات

6/4/2020
​​تراب وماء ونار..
طين الأحساء لا يخذل أيادٍ صنعت منه فخارًا

تحرير وتصوير: علي أبو الليرات

اجتمعت في الأحساء مقومات نجاح صناعة الفخار(تربة طينية، ماء، نار)، رجالًا مبدعين منحهم الله مواهب الحرف اليدوية وصناعة الأسواق، حتى انعطفت لديارهم وانحنت رقاب إبل، ودروب التجارة القديمة؛ فكانت نخيلها الظل، وماؤها السقيا، وأسواقها البائع والشاري معًا.


علي أبو الليرات

تجمع أسواق الفخار بين التجارة والسياحة، فالشغف قديم لدى الإنسان تجاه مراقبة قدرته على الدمج بين التراب والماء والنار، واستخراج أوانٍ منزلية تدوم مئات السنين، وتحويل الطين الممزوج بالماء إلى تحفة فخارية مميزة.


علي أبو الليرات



قامت على صناعة الفخار أسواق موازية، فأنماط الطعام لا تقوم إلا بوجود فخار، كذلك صناعة فنون رسم وألوان مخصصة للفخار، أيضًا مجسمات تذكارية، ألواح للكتابة عبر العصور، ولا يزال الفخار أحد أهم مسابر قراءة التاريخ من خلال أسلوب الصناعة، أغراض الاستعمال، الأنماط الثقافية الموجودة دلالتها في "اللقى" الأثرية الخزفية، وعليه يتم تحديد عمر المكان، الموقع الأثري، وصولًا إلى حجم التبادل التجاري - حينها - أو الخضوع لسلطة كيان بعيد.


علي أبو الليرات



يدل وجود الفخار في الأحساء على أنها مجتمع مستقر، له تاريخ قديم جدًا في الاستيطان البشري، يمتلك تبادلًا تجاريًا مع كل جيرانه، عاش استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا مديدًا (بدلالة استمرارية أسواقه)، كذلك استقرارًا أسريًا واجتماعيًا نتيجة قراءة توارث المهن مئات السنين في سلالات عائلات محددة، وكذلك ديمومة نمط الحياة اليومية الهادئة، واتساع دائرة التزاوج وبناء الأسر.


علي أبو الليرات



تمنح عيون الأحساء الماء لصانع الفخار، وتعطيه النخيل جذوعًا يشعل بها النار، والرمل الطيني متاح أزليًا؛ فعشرات العيون وثلاثة ملايين نخلة تحاول أن تسحب أهل الأحساء إلى عمق المجتمعات الزراعية، لكن "الحساوي" يمتلك أيادٍ حرفية من الطراز الأول، واحتكاكًا ثقافيًا سمح له بتكوين استقلال اقتصادي معتمدًا على الحرف "الحياكة، صناعة الفخار وغيرهما"، بينما تدل المدارس الفنية في تزيين الفخار على ذائقة عالية.

علي أبو الليرات



تعيش خطوط إنتاج الأواني الفخارية أكثر من مائة عام، ولكل صنف مسمى وأسلوب تصنيع وغايات؛ حفظ الماء أو البهارات، تقديم الأكل، تزيين المنزل، وغيرها مع استجابة كل إناء لمتطلبات الطقس ومتغيرات المناخ، فغالبًا تكون أواني حفظ الماء مدببة العنق صغيرة الفم، من أجل سهولة حمايتها من العواصف الرملية. 


علي أبو الليرات



يحتفظ الفخار بوجوده مئات السنين، ليس ذلك فحسب، بل احتفظ أيضًا بوجود عائلات "حساوية" يتوارث أفرادها الصناعة، متمسكين بتقاليدها القديمة، يشعرون أنهم "حُرَّاس" إرث يستحق أن يعيش، وأنهم يعيشون مع أرواح أجدادهم والآباء من خلال قراءة أصابعهم رسائل أثناء ممارسة الإبداع يوميًا، لذلك إذا رأيت صانع الفخار صامتًا ساهمًا غائبًا في تفكيره بعيدًا، فلا توجه له النداء فربما كان يتحدث مع أحد أجداده. 



علي أبو الليرات