نقوش في الذاكرة!

 الكاتب د. محمد بن عبد العزيز الحيزان

6/4/2020
مثيرة وأثيرة حقًا هي مرحلة الطفولة!؛ ربما لأنها تظفر بالذهن في أصفى حالاته، فتحفر في جدرانه، نقوشًا زاخرة لمواقف صافية بصفاء وبراءة من لم يمض على قدومه إلى الدنيا سوى عقد من الزمن، وهي  -إن خلت من المنغصات- تثبت كمحطات رئيسة في الذاكرة، ذات وميض متجدد لا يخبو وهجه عبر السنين.

مرحلة الطفولة هي السِّفر الأول في سجل الذكريات الذي تنشأ وتترعرع به جذور الحنين، لذا فهو في الغالب مورد الماء الزلال الذي نلجأ إليه من وقت لآخر، بوصفه الأكثر قدرة على تلطيف تحديات الحياة ولهيبها، وعلى الانعتاق من متاعبها. جمالها يكمن في نسيج شكلته خيوط متينة وصور ناصعة لتصرفات عفوية، وسلوكيات صادقة لم تتلون حينها بتأثيرات الآخرين.

أعدُّ نفسي محظوظًا لخوضي تلك المرحلة -كما هو حال الكثيرين ممن هم في سنين عمري - في بيئة مختلفة عما تلاها من مراحل، فعلى الرغم من أن ألوانها انحصرت في الأبيض والأسود، مثل واقع كاميرات التصوير آنذاك، إلا أنها لم تُزاحم فيما جاء بعدها من مراحل، بصور مشابهة تشوش شخوصها أو تطمس ملامحها. 

كانت الدلم في الستينيات الميلادية حتى منتصف السبعينيات قرية وادعة لم يحوِّلها الزمن بعد إلى مدينة أكلت الحضارة - بمفهومها المغلوط - الكثير من مكوناتها الفريدة، تحديدًا قبل أن يصلها فيروس هدم بيوت الطين، ووهم التخلص من التراث باسم التطوير. ولأنني والسواد الأعظم من أقراني لم نتعرف على معنى السفر، ولم يدخل التلفاز وغيره من وسائل الاتصال الحديث باستثناء المذياع، بيوتنا بعد، كنا نظن أن قريتنا الجميلة هي العالم كله، بل إن بعضنا كان يجزم بأن أبرز حدود الأرض هي كثبان رمال الضاحي الشرقية، التي كانت أبعد الأماكن التي نضرب بها المثل، ونذهل من أنفسنا؛ بل ونفاخر حين نصل إلى قممها العالية مشيًا على الأقدام، في إطار تنقلات يومية لا تتوقف عنها خطى كل منا في البرد أو الهجير، تذكرتها جيدًا، عندما قرأت بيت بن زريق البغدادي الشهير:
                       كأنه في حل ومرتحل    موكل بفضاء الله يذرعه

وفي ذات السياق، كانت قريتنا هي المحور الذي به وإليه ينتهي كل شيء؛ حتى الطريق الأسفلتي البدائي الضيق، الذي يكاد يخلو من السيارات معظم أوقاته، ينتهي بلونه الشاحب في وسط سوقها الشعبية، وتحديدًا أمام قصر الإمارة الطيني؛ تلك السوق التي شكلت لسنوات قلب الدلم النابض بحركة الناس في شريان طرقاتها وأزقتها، خاصة في يومي الاثنين والخميس اللذين اتفق عليهما السكان المحليين مع من يفد من الريف والبادية على دوابهم، ليكونا ذروة اجتماع حشود كافة الأعمار من الرجال والنساء، ليشهدوا منافع لهم، أقلها متعة الفرجة وتكوين البهجة.

وكما سجلت الذاكرة مخزونًا ثريًا من المشاهد مع الأصحاب، سجلت الكثير منها مع الأقارب لا يخلو بعضه من الطرافة، كتلك التي عشتها في بداية دراستي بالمرحلة الابتدائية، ولاتزال أسرتي تذكرني بها؛ يوم قدمت لي أختي “نورة” التي تكبرني بعام هدية كنت أظنها الأغلى، حين تطوعت بحنان الأخت بكتابة تكليف أستاذي إنابةً عني، بعد أن ضقت ذرعًا بكثرة طلباته. 

لم يكن صعبًا على معلمي أن يميز بين خط متعرج تعود على قراءته في دفاتري، وبين آخر مستقيم ذي رونق مختلف.

حينها، بادرني بسؤالي عمن كتب الواجب؟!.
“أختي نورة”.. أجبته على الفور!!.
فاجأتني قهقهته، ولم أعرف أنني من فاجأه.. أطرق قليلًا، قبل أن يقول:
“سلملي على أختك نورة، وبلغها: أن الواجب لك وليس لها”.

في بداية المرحلة المتوسطة، غادرت قريتي إلى العاصمة مع أسرتي بحثًا عن المستقبل، وعن السعادة المنشودة، وأخذتني محطات العمر إلى العديد من الأماكن في الداخل والخارج، وعلى الرغم من أهميتها كخطوات ضرورية للوصول إلى أهداف قيمة أعتز بها، إلا أن هاجس الذكرى لا ينفك عن الهمس في أذني مرارًا، بكلمات تقول: إن المستقبل والسعادة اللذين كنت تبحث عنهما، هما في المكان الذي غادرته!. 

د. محمد بن عبد العزيز الحيزان
عضو مجلس الشورى 
مستشار إعلامي