بين (السليمي) و(الغزالة)

 عيسى عبد الله الحليان - كاتب اقتصادي

6/29/2020
​​ ​ولدت في محافظه السليمي "ديرة الخوال" الكرام، حيث كانت العادة أن تكون الولادة في كنف أهل الأم، ومن ثم العودة مجددًا إلى بيت البعولة.
بعد ولادتي في أحضان هذه القرية الحالمة، ما لبثت أن عدت أدراجي إلى كنف آبائي وأجدادي، حيث ترعرت في محافظة (الغزالة)، مراتع الصبا ومرابع الطفولة، التي تقع على سفوح جبل رمان الشهير، وفي أحضان جبل شيبة الأخاذ، موطن الحبارى ومراتع الغزلان التي كانت تستوطن تلك الوديان التي ليس لها مثيل، والتي كانت تفوح منها رائحة الشيح والقيصوم والعبيثران طوال العام، كنت أنتقل إلى (السليمي) بين فترة وأخرى مع أمي، تلك السيدة الاستثنائية التي لا تشبه نساء عصرها، وكان إذا ما حان وقت السفر أشعر بأن السماء تكاد تتخطفني من فرط الفرحة، وكأني سوف أنتقل من كوكب إلى آخر، كيف لا وأنا على موعد مع جدتي (سلمى) ذات الصيت الذائع في "البيت الغربي" وهو كنية لبيتها الصغير ذي العماد الرفيع. دخلت البيوت الكبيرة وزرت القصور الفارهة، ولم أر في حياتي أجمل ولا أمتع من ذلك البيت الطيني الصغير!.
صعدت من "ريودي جانيرو" إلى جبل (شوجر لوف) الشهير الذي يحمل علامة المدينة، وذلك من خلال عربات "التلفريك"، وعلى قمته شاهدت أجمل وأعظم منظر في حياتي، حيث مصب "جوانابارا" من جهة، والمحيط من جهة، وحي "بوتافاجو" الراقي من جهة، وشاطئ "كوباكابانا" الشهير من الجهة الرابعة، لكنه لم يكن يوازي لحظة فرحتي في صباي وأنا أتسلق سفح الجبل إلى "قنا" أو "واسط" أو "فرافرة" حيث نخيل البعل الخاصة بأخوالي من عائلة الهريش، التي كانت تشكل متنزهات مفتوحة وسط سلسلة تلك الجبال الحمراء التي تشعر كأنها مدهونة بـ"الورنيش" من فرط جمالها ونظافتها ولمعان مكوناتها الصخرية المدهشة، ولا عجب؛ فهي التي وردت في أشعار العرب القدامى من الغطفانيين والقيسيين وغيرهم من شعراء الملاحم والمعلقات مثل الحارث الذبياني وقيس بن زهير والنابغة الذبياني وغيرهم، الذين خلدوا هذه الجبال بأشعارهم وبنفس أسمائها الحالية.
لا أعرف من أين كانت تأتي تلك السيدة الأسطورية "سلمى" - المشحونة بكل معاني الرقة والحنان - بكل ذلك الحب والإيثار، وأي صدر يختزل تلك الحمولة العالية من هذه العواطف المتفجرة!.
لازلت أتذكر دكان خالي "فهد" الطيني الصغير الذي يتجاوز حجمه في المخيل الطفولي كل ملامح "لؤلؤ هايبر ماركت" المجاور لمنزلي حاليًا، الذي يقع جوار الأثلة الشهيرة التي كانت تمثل ميدان "الديرة" أو "الداون تاون"، حيث كانت (الجماعة) تجتمع تحت ظلالها في أوقات متفرقة من اليوم لمناقشة آخر مستجدات البورصة الاجتماعية والأحداث العامة، وكانت أمي حتى آخر لحظة من حياتها تقول إنها لاتزال تتذكر صورتي التي تتجسد أمامها وأنا أقطع الشارع معتمرًا "الكوفية" الطويلة أو "الكحفية" باللهجة الحائلية التي كانت موضة العصر آنذاك، وأنا أدخل إلى الدكان ليعطيني الحلاوة اليومية وأعود أدراجي مسرعًا كاني قد حزت الدنيا بما فيها.
من (الغزالة) إلى (السليمي) قصة "ترحال" وجداني جميل ليس لها مثيل في حياتي.
​​​​