الآثار .. شغف منذ الطفولة

 د. حسين بن علي أبو الحسن

8/29/2020
أدركت الحياة في العاصمة الرياض؛ عندما انتقل والدي رحمه الله للعمل في وزارة الداخلية منتصف ثمانينيات القرن الهجري الماضي، وذاكرتي فيها لا تعدو عن ذكريات بسيطة جدا لا تخرج عن حدود منزلنا الصغير في حي الوزارات. بقاؤنا في الرياض لم يدم طويلا لوفاة الوالد رحمه الله عام ١٣٨٨هـ، حيث عادت الأسرة إلى تيماء مسقط رأسي وأكملت فيها دراسة المرحلة الابتدائية بالمدرسة السعودية.
كانت المدرسة في مبنى حديث مسلح لا يزال باقيا حتى الآن، ولكن كان أثاثها متواضعا؛ حيث يشترك كل أربعة طلاب في طاولة واحدة من الخشب متصلة بالمقعد، وسبورة خشبية، ومقعد للمعلم، وفي الصف الرابع وصلتنا الطاولات الحديثة المنفصلة وكنا نراها نقلة نوعية، وكانت للأسرة التعليمية هيبة حيث كنا نهاب حارس المدرسة كهيبة مديرها.
شاهدت في المدرسة آنذاك بعض القطع الأثرية الحجرية منها والفخارية التي كان يجمعها مراقب الآثار ويضعها في إحدى الغرف المجاورة لمكتب مدير المدرسة، وذلك قبل التوسع في إنشاء مكاتب الآثار بالمناطق والمحافظات، حيث كان مراقب الآثار إما موظفا في إحدى المدارس أو متعاونا، وكنت أتساءل عن ماهية هذه القطع الحجرية والفخارية التي نشاهدها وما هو مصدرها ولماذا جمعت؟.
ولكوننا نسكن بالقرب من أحد أبرز المواقع الأثرية في تيماء (موقع قرية الأثري الذي جاد بكم هائل من القطع الأثرية بعد التنقيب فيه) كنا نجول في الموقع ونشاهد الأسوار الضخمة والأبراج المرتفعة والمباني المطمورة والآبار المطوية، كل هذه المشاهدات كانت بمثابة اللغز المحير الذي لم يستوعب إجابته طفل في سن مبكرة مثلي في ذلك الوقت، وبعد إتمامي المرحلة الابتدائية انتقلت الأسرة إلى العلا، ودرست فيها المرحلتين المتوسطة والثانوية، ولكوني جئت في منطقة جديدة ومعارفي من أقراني قليلون في ذلك الوقت جعل فرصتي أكبر لزيارة المواقع الأثرية والاطلاع على نوع آخر من الآثار وهي الآثار الشاخصة (مدائن صالح والخريبة)، وكذلك كم هائل من الرسوم الصخرية والكتابات القديمة المنتشرة على الواجهات الصخرية بامتداد وادي العلا، ما زاد حيرتي وشغفي بمعرفة المزيد عن هذه الرموز وفك طلاسمها.
وفي نهاية المرحلة الثانوية كنت أسمع من زملائي الذين سبقوني بسنة في الدراسة أنهم التحقوا بقسم الآثار في جامعة الملك سعود ويدرسون الحضارات التي كانت سائدة في الجزيرة العربية ومنها التي قامت على أرض العلا وتيماء وكذلك في المناطق المجاورة. هنا قدحت بذهني فكرة دراسة علم الآثار، وعندما أنهيت دراسة المرحلة الثانوية توجهت مباشرة للالتحاق بجامعة الملك سعود وأنا عاقد العزم سلفا على دراسة ذلك العلم الذي سيحقق شغفي وسيجيب عن كثير من التساؤلات لدي منذ أن كنت طفلا في المرحلة الابتدائية.
في جامعة الملك سعود بدأت أفهم أسرار ذلك العالم المجهول، وبدأت الطلاسم تنجلي أمام ناظري، وأصبحت رحلاتي وجولاتي في تلك المواقع وغيرها بجميع مناطق المملكة قائمة على أساس علمي أستطيع من خلاله استنطاق ما أشاهده من مواقع ومعالم وقطع أثرية، خصوصا ما هو مرتبط بعالم الكتابات القديمة التي بدأت قصتي معها لغزا محيرا وأصبحت في أول اهتماماتي، وتحظى بجل وقتي الذي أخصصه للبحث العلمي.
الآن أضحت الآثار والمواقع الأثرية جزءا من ثقافة المجتمع، وتوفر الجهات المعنية معلومات عن بعض هذه المواقع تجيب عن أسئلة الزوار، وأنشئ العديد من المكاتب في المناطق والمحافظات التي تعنى بهذه المواقع، وكذلك المتاحف التي قدمت فيها القطع الأثرية بصورة علمية تروي حضارة بلادنا وتقدمها عبر العصور، وفي ظل الرؤية الطموحة للمملكة وتركيزها على الثقافة - التي من مكوناتها الرئيسة الآثار والمتاحف - يشهد هذا القطاع تطورا في جميع مجالاته.