ثلاثة أيــام في إنتظار صورة

 تحرير وتصوير: رياض الجرعي

8/29/2020
​​هل يمكن لأحدنا أن يصور بعقله قبل أن يصور بعدسته؟.
هل يمكن له أن يعيد صناعة الصورة، ويحلم بصناعة تكوين فني ناجح؟. 
في إحدى ليالي شتاء مدينة الرياض، أثناء تسامر طويل وأحاديث عن فن وإبداع وجمال وشغف التلذذ بمعرفة أسرار أكثر عن “الضوء والفن“، عرض علينا -بتباهٍ- الصديق الفنان ابن العلا “يونس السليمان” أحد أعماله التصويرية؛ صورة التقطها لجبل البنات (قصر البنت) في الحجر (مدائن صالح) وكان فخورًا بها، ويحق له ذلك.
كانت التقاطة يونس ساحرة، “عملًا فنيًا مدروسًا ورائعًا”، ثم أخذنا الليل إلى نوع من التنافس الفني، قال فيه يونس السليمان “إن الفنان الحقيقي هو ابن بيئته”، وإنه الأقدر على تقديم أفضل الأعمال الفنية لها، والأقرب لفهم جغرافيا المكان وعراقة التاريخ.
ثم زادت روح التنافس الفني بيننا -أثناء النقاش- فاعتزمت شد الرحال إلى منطقة العلا بشغف لا نظير له، ثم كنحلة تنتظر خيوط شمس الصباح للانطلاق، كانت لحظة وصولي إلى العلا، أبحث عن رحيق “تكوين ناجح” و”شهد زوايا جيدة “ دون توقف أو كلل أو ملل، مع ثبات “العلا” كنقطة تنافس وتحدٍ، ليس لأنها جنة تصوير، بل لأنها ديار صديقي “يونس السليمان” الذي دفعني لدخول تحدٍ معه.
في العلا؛ على ظهري حقيبة تحوي قنينة ماء، كاميرا، وثلاث عدسات فاخرة، لم تمنعني من تجرع الإحباط يومين متتالين، كنت فيهما ضحية الخوف من تكرار لقطة سبقني إليها مصور، فالعلا نالت زيارات من كل عدسات العالم، ولا يجب أن يفعل أحدنا ما سبقه إليه آخر، سيكون تكرارًا لا قيمة فنية له؛ فالتقليد مقبرة الفنانين، إذًا ما هو الحل؟.
الحل: أن تقوم بعصف ذهني تحاول من خلاله إنتاج فن يُعبر عنك، ذاتك، مشاعرك، ويقدمك بشكل فاخر لذواقة الفن نُخبًا أو عامةً.
في ظهيرة اليوم الثالث قررتُ أن أكون أكثر هدوءًا وسكونًا وتأملًا أثناء التجوال، ثم لاحظت وجود جبل يجاور ويوازي مقبرة لحيان بن كوز “قصر الفريد”، فقررت صعوده، مع تناثر نصائح أصدقاء ومحبين خوفًا وقلقًا من مكروه قد يصيبني.
صعدت الجبل، فلاح أمامي مباشرة “تكوين بصري فني” أشعل الدهشة، تسمرت أمامه ساكنًا أتأمله، جثوت كنحلة أرهقها البحث وأعياها التعب، وتريد أن تأخذ كل رحيق الدنيا من زهرة واحدة، وأن لا تترك فيها قطرة لغيرها، ليس أنانيةً منها، بل لأن ثمن الوصول كان عاليًا.
كان منظرًا يليق بعدسة (-70 24 Nikon) أكثر من بقية الكريستال النقي، حانت لحظة حبس الضوء أبديًا، ثم وبينما أنا في مزاج محارب يمد بندقيته، ظهر أمامي زيٌ سعوديٌ أبيض، يتدثره زائر يختلس خطواته أمام مقبرة لحيان بن كوز (قصر الفريد)، كان وجوده داخل الكادر إضافة، لا بل أساسًا، ثم وقف في باب القصر، كأنه صاحب الدار يرحب بمن زار.
لا أعرف الرجل الذي وقف بباب القصر ولا يعرفني، وربما لم يعلم بأنني في مكان قناص على قمة الجبل المقابل، لكنه صنع بهجة أكبر من فرحة لاعب سجل هدفَ كأسٍ بدقيقة أخيره من مباراة على أرض الفريق الخصم، ثم عدتُ إلى الرياض، إلى صديقي “يونس السليمان” ونظريته “الفنان ابن بيئته، الأكثر دراية بجغرافيتها وتاريخها”.
كنت أريد أن أؤكد لصديقي “ يونس السليمان” أن كلًا من الفنان والمصور يستطيع أن يكون “ابن بيئة في كل مكان”، ويستطيع استنطاق مكامن الجمال من الصخر الأصم. لقد كانت صورة تعبر من خلال تجسيد يشبه خريطة المملكة، وفي العمق يقف شاب سعودي أمام باب مقبرة لحيان بن كوز “قصر الفريد” في إيحاء لاستمرار حضارة الإنسان العربي آلاف السنين.
  هذا ما كانت تريد أن تقوله الصورة: الإنسان في المملكة وريث حضارات آلاف السنين، ويستمر في إعمار الأرض، ويسعى للتجسير بين ماضٍ غائر ومستقبل عامر زاهر.