(الدهناء).. رمال منبثة تتنفس الثرى!

 د. هياء بنت عبدالرحمن السمهري

9/1/2020
​في بلادنا عروق رمال كثيرة تتعاظم وتتكاثف وتتداخل شقائقها، فلا يسار فيها إلا بمعرف وعارف، ولا يقطعها إلا خريت ماهر، وتبث صحراء الدهناء موسوعة الصحارى بجبروتها، وتندى لحظاتها بحكايات الوجد الصحراوية التي ترويها منابرها لرفقة السير والمسير، فما بين وشوشة رمالها المتحركة في بعض أجزائها والساكنة في أجزاء أخرى، وبين ما يضيق منها في بعض الأماكن، وما يتسع في أخرى يؤكد الجغرافيون أن صحراء الدهناء من أخصب مرابع بلادنا ومراتعها، فحضنها الغربي مستقر لسيول الأودية التي ينحدرعليها وادي الشوكي وروافده وأودية الثمامة وروافدها وأودية العتك وروافده والطوقي وروافده ورصد آخر من الأودية، ففي ثنايا الدهناء تمتد روضة "التنهات" الأثيرة الشهيرة مستراد لملوك بلادنا، ومرتبعهم في خلواتهم الملأى بروح الحكم والحكماء؛ والتنهات روضة من أجمل رياض نجد وأخصبها وأطيبها نبتا وأحسنها موقعا في حضن (الدهناء)؛ حيث يلتف سدرها وطلحها وجثجاثها وشيحها وقيصومها، وكل نبت طيب بها إذا جادها الغيث وباكرها الوسمي وتتواشج معها روضة (خريم) وفيها أودية مماثلة شجر ونبت وجمال، وهناك رياض البجادية والسهباء؛ فشكل تلك الرياض المعشوشبة يسر الناظرين إذا أخصبت وازدانت وازدهرت وتفتح نوارها وغردت أطيارها، وتشتاقها الدهناء فتطل عليها بحمرتها الذهبية، وتمتد غربها الأودية بغدرانها وتطرقها (صبا نجد)، فيفوح عبيرها ويعبق شذاها!، ولذا كانت روضات الدهناء متنزها مفضلا للمؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله يقيم بها شهورا أيام الربيع، وتنبت خيامه في جوانبها، فينزل بين رياضها فيما استرق من الرمل، وارتفع عن مستقرات السيول، وما سلم من عثير الغبار وطين الأرض، وكانت شيوخ القبائل وبعض رجالات العرب يتجمعون في مضارب الملك عبدالعزيز، وتتشكل هناك ندوات وأندية يتطارحون فيها الأخبار والأشعار، ولاتخلو تلك الأجواء الفياضة من وفود تأتي من خارج البلاد لشأن سياسي أو إبرام اتفاق أو وفاق مع المؤسس رحمه الله، وفي ذلك يقول الشاعر فؤاد شاكر في كتابه (رحلة الربيع)، وهو ممن حضر وانبهر بذلك المستراد الصحراوي الخصيب:​

فيا سائلي عن نجد أو عن رياضها
فديتك، هذا بعض ما في ربا نجد

ومن الروافد المضافة للقيمة الصحراوية للدهناء أنها حوت أعلاما بارزة تغنى بها شعراء الجزيرة العربية، واستوعبتها عيون الأدلاء ووقفوا عند مفاوزها، واستوقفوا في ذكرياتها الشعرية لمن مروا بها وسكنوا فياضها ورياضها، ويطول بي السرد لو تتبعت أعلام (الدهناء) وما فيها من وقفات ومناسبات وقصص.

ومما توارد من الشعر عن (الدهناء)

قول أعشى همدان:
يمرون بالدهناء خفافا عيابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب

وقال ذو الرمة:
خليلي قوما فارفعا الطرف وانظرا
لصاحب شوق منظرا متراخيا
عسى أن نرى والله ما شاء فاعل
بأكثبة (الدهناء) في الحي باديا

ولما أن أصبحت للسياحة في بلادنا وزارة ذات طاقات مكتنزة، فنأمل أن تصبح السياحة تأصيلا لتاريخ يفيض ويعلو، وأن تكون في حكايات الدهناء ورياضها وسرادقاتها الملكية استراتيجية جديدة تتحدث عن بلادنا من زواياها الأخرى عندما كانت ناصية الصحراء مسترادا للقوة ومرتبعا للحكم، فمن الأهمية أن تدخل تلك المواقع في مستهدفاتنا السياحية حديثا، وذلكم شغف ممتد في الذات السعودية منذ الأزل.