تتمازج المشاعر بين (الإنسان) و(المكان)

 مطلق البقمي

10/29/2020
لا يوجد في هذه الحياة أكثر من متلازمة (الإنسان والمكان)، فالمكان يتسلل إلى وجدان المشاعر الإنسانية محدثا آثارا عميقة تلامس الذات لتشكل جزءا حميميا من كيان الإنسان، وذلك لكون (المكان) مع بعد آخر هو (الزمان) الحاضن لجميع عمليات تفاعل الإنسان مع الآخر.
المكان هو الجغرافيا التي تشكل خصائص وهوية لاعبه الأول (الإنسان) لتنسج ملامح الماضي وعلامات تستشرف المستقبل لهذا الكيان البشري؛ فدلالات الحب والاستقرار والأمان بسبب (المكان) تشكل لنا مشاعر تصف الذات الإنسانية وتعبر عن طريقة التعامل مع الآخر، والمقصود بـ (المكان) هنا وطن كان أو منزلا.
ليس في حياتنا واقع يكون أكثر ألفة والتصاقا بالمعاني الإنسانية لنا من المكان، أيا كان هذا المكان وطنا أو بيتا أو منطقة تختصر جزءا من ذكريات أليمة أو سعيدة في حياتنا، وإن كانت منازلنا هي الأكثر التصاقا بنا، وعن ذلك يرى الشاعر “غاستون باشلار” أن المنزل أحد أعظم قوى تكامل أفكار الإنسان وذكرياته وأحلامه.
عندما تستذكر أيامك الماضية ستجدها مجموعة من (الأماكن)، ولذلك يقول فنان العرب محمد عبده في أغنيته الشهيرة (الأماكن، مشتاقة لك)؛ فالإنسان تختزن ذاكرته مواقف وأحداثا وأفكارا تأتي في سياق يضع المكان إطارا يعزز تلك الذكريات.
يشير العالم النمساوي فرويد - وهو الذي يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي - إلى أن مكان الطفولة هو الإطار الطبيعي للقصص التي تظهر للمرء في أحلامه مهما بلغ به العمر ومهما كثرت تجاربه وتعددت خبراته في الحياة، والسبب في ذلك أن العلاقة بالمكان تضع صيغة للخبرة في الدماغ.
والتعلق - سواء بالأشخاص أو الأمكنة - حالة عاطفية تسيطر على مشاعر الإنسان؛ فعلى سبيل المثال هناك من تسكنهم بيوتهم القديمة رغم الابتعاد عنها لسنين طويلة، وهنالك أشخاص أبعدتهم الحياة عن من يحبون، لكنهم ما يزالون متمسكين بهم وبتفاصيلهم وذكرياتهم التي لا تنسى. ومن الطبيعي أن يكون حنين الإنسان لموطنه الأول غالبا على أي موطن آخر، كما عبر عن ذلك الشاعر أبو تمام في بيته الشهير: «كم منزل في الأرض يألفه الفتى .. وحنينه أبدا لأول منزل». فالارتباط الشديد بالمكان يعتبر ارتباطا روحيا يفسر المشاعر والعواطف التي تبني علاقة الشخص بكل ما يحب، وتخلق عنده ذاكرة خاصة يختزن فيها كل التفاصيل الصغيرة المحرضة على الشعور بالتعلق.
لذلك وجد علم خاص بدراسة المكان هو علم الطوبولوجيا Topology الذي يقوم بدراسة خصائص المكان من حيث العلاقات المكانية المختلفة كعلاقة الجزء بالكل، وعلاقات الاندماج والانفصال والاتصال التي تعطينا الشكل الثابت للمكان، الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات والأحجام.
مع الإشارة إلى أن للمكان - رغم أنه جماد - تعابيره الحسية التي تصف حاله، فحين نزور مكانا مهجورا سيتولد لدينا شعور مباشر أن هذا المكان حزين. تقول الأديبة العراقية أسماء محمد مصطفى أن المكان يؤثر فينا بذكرياته وأحداثه وأناسه وجغرافيته وتكويناته الهندسية، فيما نحن نؤثر فيه بلمساتنا وتصرفاتنا وعلاقاتنا به.