وجه لاينسى

 عبد الله القرشي - صحافي سعودي

12/29/2012
كل مدينة لها رائحتها ونكهتها المميزة، حتى المدن المتشابهة للوهلة الأولى، إذا ما أمعنّا فيها النظر جيدًا سنجد بصمتها وهويتها المتفردة، فلا مدينة تشبه أخرى، وصفات المدن المميزة لها تشي بها وجوهها تماماً كما أرواحها التي تتماهى فيها الفوارق بين الجغرافيّة، والسكان، والتراث والتاريخ، لتصوغ من ذلك كله نكهة مركزة هي عطر المدينة وصفتها واسمها وحقيقتها.
هذه الهوية المتفردة طالعتني شيئاً فشيئاً حينما دنوت من مدينة الوجه التابعة لمحافظة تبوك الصيف الماضي، كانت زيارتي الأولى للمدينة التي سمعت أنها مدينة البحر، وليس ذلك بالمثير لقادم من عروس البحر الأحمر. وكان ذلك إضافة إلى حقيقة أنه لم يرق إلى سمعي أمر آخر عنها، سبباً لتصوري شاطئا معتمداً رواده قليلون، وقرية متوسطة الحجم تسمى مجازاً ب«المدينة».
لكن الوجه الذي طالعني - لحسن الحظ - خيب ظني سريعاَ، ورفع سقف توقعاتي وآمالي، فالشوارع الفسيحة المعبدة، والمباني الحديثة، والبيوت الكثيرة، والمحال التجاريّة المنتشرة هنا وهناك، التي بدأت بملاحظتها بعد خروجي من المطار مباشرة جعلتني أدرك أنني قللت من شأن الوجه، ولا ظلم أشد وأقسى من التقليل من جمال المدن الفاتنة ذات التاريخ والطبيعة المبهرة.
مدفوعاَ بالرغبة في الاستكشاف، و بتأنيب الضمير الناجم عن التقليل من شأن الوجه مضيت متأملة لكل ماصادفني فيها.
ومن ذلك النظام الذي يسود الشوارع والأماكن، والذي كان لافتاً، فالجميع ملتزم بقواعد المرور، والشوارع النظيفة.
وهو ما منحني إشارة سريعة حول طبيعة أهالي المدينة السمحة والملتزمة، ولم يمض كثير من الوقت حتى لمست ذلك بنفسي، إلى جانب صفات أخرى ككرم وضيافة أصيلة، وبشاشة ظاهرة، وطيبة مؤثرة جبل عليها سكان الوجه المتبقون، حيث إن فرص العمل، ومشاريع الحياة أغرت العديد منهم - كما أخبروني - بالهجرة إلى المدن الكبرى باحثين عن أحلامهم، ومستبقين صورة مدينتهم الجميلة وعطرها محفورين في ذاكرة الروح. حتى الشاطئ الذي ظننت أنه لن يدهشني، أثار عجبي بإختلافه وروعته. كورنيش المدينة الذي يمتد لأكثر من إثني عشر كيلومتراً على طول شاطئها، وعلى امتداده تنتشر ألعاب الأطفال والمقاهي، وأماكن مخصصة للسباحة، ومنتزهات عائلية، وشاليهات أقمنا في أحدها، لكننا آثرنا التنزه على الكورنيش لجماله وهدوئه طوال أيام فترة إقماتنا مستمتعين بالمجسمات والحدائق العامّة التي ندخلها فجأة خلال تجوالنا، لنجد الخضرة والبحر يحيطان بنا على نحو جميل لم أكن أتصور أن أراه.
اكتمال المرافق، وجاهزيتها، وظافتها ايضاً كان مثاراً لإعجابي، وتمنيت في سري لو أن ما أراه على هذا الشاطئ الجميل يوجد في أماكن أخرى من المملكة. وتوّج السحر الذي شاهدته في الوجه تراثها الحي، واكتنازها لآثارها وتاريخها ببساطة. فيبصر المتنقل في طرقاتها، والمنتزه على كورنيشها المباني الأثرية من قلاع صخريّة، ومساجد بحالة جيدة، وسوق تراثيّة رغم التطور الذي أصاب منها نصيباً، إلا أنها احتفظت بتاريخ طويل توافد إليه خلالها البشر من التجار والحجاج على مدى قرون، مايضفي على المشهد جاذبيّة الأساطير، ويغري بالتساؤل والبحث في أعماق هذا التاريخ الشامخ على الشاطئ ببساطة وهيبة الواثق من نفسه.