درسٌ من ضباء..

 علي العمري - كاتب و صحفي سعودي

 
لا تعرف مدينة صغيرة على طول شاطئ البحر الأحمر نشاطاً مماثلاً، لذلك فالذي تعيشه مدينة ضباء ليس فقط خلال عقود مضت، بل منذ أن بدأت فيها بوادر الاستيطان البشري قبل قرون طويلة لوجود الماء العذب والعيون الطبيعية التي كانت تشكل في الماضي السحيق أثمن الكنوز وأندرها. ضباء الميناء هي بقعة صغيرة تقع شمال غربي المملكة، كانت وما زالت معبراً بحرياً ومنزلاً للصيادين رجال البحر.
أغنية الشمال الباردة التي يغنيها صيادو الأسماك في ضباء قبل شروق شمس كل صباح يتردد صداها عبر زمان موغل في القدم. كان صداها في البداية لا يرجع لأصحابه، بل يدوي في المدى بعيداً، لكنه لم يلبث أن صار يصطدم بالجدران الشاهقة للقلاع التي أنشأها أهل المدينة كشاهد على حضارة وتقدم اجتماعي هو سمة أهل الموانئ المنفتحين.
زرت ضباء للمرة الأولى قبل أعوام قليلة، في محاولة لتغطية حادثة غرق العبارة المصريّة التي انطلقت من الميناء وغاصت في أعماق البحر قبل وصولها إلى وجهتها المصريّة بقليل. بالطبع فإن ميناء ضباء هو أحد المنافذ المكتظة،
إذ يفضل معظم المسافرين بحراً استخدامه.
وربما هذه الحركة الدؤوبة - كما عرفت لاحقاً - كانت السبب الذي عجّل بدخول المدينة إلى عصر التطور الحديث بعد نقلات عديدة شهدتها في العقد الأخير من القرن العشرين مستفيدة من توالي المشاريع المهمة والخدمات التي دخلت أحياءها من دون استثناء، وبشكل قاطع فإن التاريخ الأهم لدخول المدينة مرحلة جديدة من النشاط التجاري والنمو في العصر الحديث، كان عام ١٩٩٤م بعد افتتاح ميناء ضباء التجاري. هذا الحدث كان فاتحة لانطلاق العديد من المشروعات التجارية والصناعية في المحافظة.
لفتتني برودة الأجواء في ضباء، زرتها شتاءً لكنني علمت أيضاً من أهالي المنطقة أن جوها صيفاً أقرب للبرودة منه إلى الحرارة. وهذا في حد ذاته نقطة جذب سياحية كبرى بالنسبة لنا هنا في المملكة. فالسائح السعودي يهمه الفرار من الحرارة وقيظ الصيف. وهو أيضاً يريد برداَ معتدلاَ. ومع هذا لم ألحظ حركة سياحية نشطة في المدينة تضاهي نشاط الصناعة والتجارة فيها. وأثار ذلك عجبي لأنني أينما توجهت كنت أجد معلماً سياحياً تاريخياً كقلعة ضباء الأثرية التي بنيت في عام ١٩٣٣م، واستخدمت كمركز للحكم في بداية العهد السعودي الزاهر، وكذلك البلدة القديمة التي توجد بها المنازل الأثرية، والسوق القديم، والمسجد الجامع.
وإلى جانب المعالم السياحيّة التاريخيّة هناك أيضاً الكورنيش والشاطئ الهادئ بمرافقه المريحة. وحتى المدينة نفسها لا ينقصها شيء من مرافق المدن العصريّة ابتداءً بالمطاعم، ،مروراً بالحدائق ومدن الملاهي، والأسواق التجارية. كل شيء موجود، لكن الهدوء سمة غالبة، وهي بالنسبة لبعض السياح ميزة ثمينة، ومطلب أساسي.
في ضباء من الجمال مايثير ويغني، ومن الهدوء ما يملأ النفس بالسكينة والطمأنينة ويمنحها السلام، ومن المرافق والتسهيلات ما يجمل الإجازة فيها فرصة للراحة البعيدة عن المشقة والتكاليف الباهظة، ومع هذا لم أعرف شيئاً عن ذلك ألا بعد الوقوف عليه مصادفةً! في ضباء تعلمت درساً.. وهو أن أتجول وأنظر جيداً للجمال، فقد يكون قريباً ولا يكلف شيئاً سوى القليل من الانفتاح والانطلاق والتقدير.