بلاد الألمعيين..

 أيمن سالم صحفي سعودي

3/29/2013
لا أعرف مدينة أثارت حيرتي أكثر من «رجال ألمع» فأسمها بحد ذاته يثير العجب. زرتها بعدما تجاوزت الثلاثين، وكنت أعرف أن اسمها منسوبٌ إلى قبيلة من أكبر قبائل تهامة، وأكثرها انتشاراً في الجنوب وهي قبيلة «ألمع»، وهي بالمناسبة محافظة تقع في الجهة الغربية من منطقة عسير جنوب السعودية، وعلى مسافة ٥٤ كم غرب مدينة أبها وهي منطقة جبلية يبلغ عدد سكانها حوالي ٦٦ ألف نسمة تقريباً.
ووجه العجب هو أن المدينة تبدو للوهلة الأولى شديدة الشبه بغيرها من مدن وبلدات جنوب المملكة، ففيها السمت المعماري المرتكز إلى الحجارة، والخشب، وكثرة النوافذ التي تعكس انفتاح أهلها على الحياة وعلى الجيرة والزوار والعالم. وفيها الغلات الزراعية ذاتها، ومزارع النحل، وأجود أنواع العسل، والأسواق الشعبية التي تعقد في أيام بعينها يعرفها القاصي والداني من أهالي المنطقة، وبساطة العيش نفسه.
إذاً بأي صفة سأُسمي المدينة، وكيف اسميها في ذاكرتي؟! هذا ما دار بخلدي في زيارة لمناسبة ثقافية أقيمت في المدينة قبل سنوات. سرت في المدينة متجولاً في طرقاتها يشغلني إيجاد ما يميزها عن غيرها، واكتشاف طابعها الأصيل الذي لا ينافسها فيه مكانٌ آخر، وخلال هذا التجوال لفت نظري انتشار أوسع من أي مكان آخر في الجنوب للزي التراثي، أينما يمّمت وجهي كنت أرى الزي التراثي الألمعي الذي يختلف في تفاصيل صغيرة مع بقية مدن الجنوب الأخرى. وهو مكون إما من الثوب وملحقاته، أو من الرداء والإزار.
وكما الرجال فإن النساء يتجولن بحرية مرتديات زيهن التراثي، ويسمى «الثوب العسيري»، وهو عبارة عن الجلابية العربية، ولكن بألوان ونقوش مميزة تعرف على بعضها منقوشة على بعض المباني، فعرفت أن هذه النقوش التي تزين ثياب النساء تراثٌ خالص يميز المدينة.
وفي متحف رجال ألمع، المملوء عن بكرة أبيه بالتحف والمشغولات اليدوية، والأسلحة، وغيرها عرفت أن دقة الصنع أمرٌ يختص به أهالي «رجال ألمع». الذين بادروا إلى المحافظة على تراثهم وفنونهم، وكنوزهم الشعبية في متحف دائم للتراث أسست في العام ١٤٠٥هـ ، حيث بادر الأهالي بالتبرع بمقتنياتهم القديمة، وتزيين القصر الذي يكاد يكون تحفة فنية في معماره وهيئته، وهو عبارة عن حصن قديم تم ترميمه من قبل الأهالي أنفسهم ليكون معرض دائماً يحفظ إبداعاتهم الفطرية صحيح أن جهات كثيرة من هيئة السياحة والآثار قدمت دعمها، لكن لم يلامس مشاعري مثل جهدٌ أهليٌ للحفاظ على الفنون والتراث كذلك الذي قام به أهل المدينة. إنهم يدركون حذق صنعتهم، وحجم الإبداع المختزل عبر السنين في فنونهم، وبراعة أعمالهم، ويقدرون ذلك كله، وقفت على هذا وقررت يومها أن أسميها مدينة الألمعيين، فكل أهلها ألمعيون، ومن لم يزرها سيفوته رؤية تواضع الفنان مع إدراكه العميق لقيمة ذاته وما أبدعته يداه.