إبحار في تاريخ الليث..

 أيمن سالم  صحفي سعودي

4/29/2013
هناك مثلٌ متداول يقول «وإنَّ أهل مكة أدرى بشعابها» وهو يضرب للدلالة على أنّ أهل المنطقة أو الحي أعلم وأكثر دراية بمسالكه ودروبه. وأدرى أيضاً بما فيه. خطر هذا المثل بذهني خلال عطلة قصيرة قصدت فيها الليث برفقة عائلتي، لكن بشكلٍ معاكس فقد بدا لي أنِّ «أهالي الليث ليسوا أدرى بشعابها»!
فالليث التي تعد من أهم المحافظات الواقعة على الساحل الغربي للمملكة مدينة هادئة وادعة. معروفة بجمال شواطئها الذي لا جدال فيه. وهو جمالٌ مبسوط متاحٌ للزائر والمقيم، لكنه في الوقت نفسه حمّال أوجه. ومتعدد الزوايا والجوانب لم أجد له سبيلاً سوى ببحث كلفني بعض المشقة، لكنّه أمتعني أيضاً. فمن عادتي أن أترك البحث في تاريخ المنطقة التي أزورها حتى أكون فيها، وأستمع إليه من أفواه أهلها.
وكان أول ما استوقفني اسم المدينة الذي ينطقه أهلها بكسر اللام وسكون الياء، فأجهدني السؤال عن أصل التسمية دون جدوى حتى استعنت آخر المطاف بشبكة الإنترنت التي بسطت الجواب سريعاً، بأن الاسم هو علمٌ مرتجل لا أصل له يطلق على الوادي الذي تقع المدينة عند مصبه ومنه اكتسبت اسمها. وكما لم أجد جواباً شافياً ممن صادفتهم عن أصل التسمية فإنّ تاريخ المنطقة وأقدم آثاراها بقي سؤالاً محيراً ينصحني الشبات بسؤال كبار السن عنه، ويحيلني شخصٌ لآخر حتى أسعفتني الإنترنت مرةٍ أخرى بأنّ تاريخ المدينة موغّل في القدم، وهو يعود إلى ما قبل الإسلام. فقد ورد ذكرها في خط سير فيل أبرهة الأشرم حين همّ بهدم الكعبة، وفيما تلى ذلك من عصور إسلامية كانت الليث ميناءً يصل إليه الحجيج القادمون بهدف أداء الفريضة المقدسة، كما كانت ميناءً تجارياً نشطاً تتعاقب عليه السفن الشراعيّة من جيزان واليمن وسواحل أفريقيا.
أما عن الآثار الباقية فقد بقيت لمدة يومين أبحث عمن يقودني في شعاب تاريخ الليث، فالمرشد الذي تعرفت إليه في الوحدة الفندقية التي أقمت فيها كان مطلعاً على أماكن الغوص، والشواطئ الأكثر شهرة، وكان ينتظر مني الإشارة لاستئجار يخت يقلني وعائلتي إلى هذه المواقع وإلى الجزر الفاتنة القريبة من شواطئ الليث، لكنني كنت مصمماً على أن تتضمن رحلتي الاستكشاف بكافة أشكاله، وألا تقتصر على الاستجمام.
وفي اليوم الثالث وجدت بغيتي في شاب مهتم بالمغامرة والاستكشاف، صحبني في رحلة طويلة استغرقت يوماً بأكمله وقفت فيها على ميناء السرين التاريخي الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث الهجري، والذي يبعد عن المحافظة ٥٠ كيلومترا، والذي لا يزال رغم مرور الزمن قائماً بآثاره ونقوشه التي تظهر حينا وتختفي أحياناً أخرى تحت أكوام الرمال.
ووقفت أيضاً على العين الأثريّة التي غاض ماؤها، لكن بقى تراثها وإرثها التاريخي قائماً. وعلمت أن المدينة تحوي عدداً من الحصون والمنازل التاريخية التي لم يتسن لي زيارتها، فقد كانت ابنتي الصغرى مصرّة على الإبحار إلى جزيرة جبل الليث في يومنا الأخير لعلها تحظى بمشاهدة الدلافين عن قرب، وكان لها ما أرادت فكان حبورها وفرحها ختاماً مريضاً غمر نفسي بالسرور حتى أنساني توقي إلى رؤية المزيد. فغادرت الليث وأنا أرجو أن تحظى آثارها ومواردها الطبيعية بلفتة منصفة، فرغم جمال طبيعة الشطآن وتنوع الأحياء البحرية، ووجود العديد من الأماكن التي تجذب أعداداً كبرى من السياح الأجانب ومحبي الغوص، إلا أنّ نصيب هذه المنطقة من مشاريع القطاع الخاص التنموية لا يزال قليلاً جداً، بل يكاد يكون معدوماً. والأمر كذلك بالنسبة للسائح المحلي الذي لا يزور المدينة إلا لماما فليت المستثمر أو السائح يزورها كثيراً حتى يصبح دارياً بشعابها.