الليث والهرب من الحداثة إلى الطبيعة..

 ماجد الثبيتي فنان وشاعر سعودي

7/29/2013
اعتقادي الأول والمبدئي، بأنّ فائدة الترحال والسفر والسياحة الكبرى للإنسان، هي التخفيف من أثقال مكانه الأصلي، وجمله ريشة في مهبّ بعيد عن البيت. لتلك اللحظة متعة سحريّة هي منبع البهجة التي نلاقيها عند السفر. للمكان الذي نعيش فيه ونعيشه سلطة، ولا يمكن الفكاك منها أحياناً كثيرة إلا بالترحال.
قبل أشهر قريبة، قمت وعائلتي برحلة هي الأولى لمحافظة الليث ( أو لؤلؤة البحر الأحمر كما تطلق عليها الموسوعة الحرة) على الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، تبعد محافظة مكة المكرمة ١٨٠ كيلومتراً جنوبا.
أوائل يناير كانت الأجواء تمتاز بالاعتدال، وهي فرصة كبيرة للمناطق الساحليّة قبل حلول الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
المميز جداً في الليث، أنها من ضمن مناطق ساحليّة غير مأهولة بالازدحام، وبالتمدن المزعج الذي تشهده مناطق أخرى مثل جدة أو الدمام. شواطئ طبيعية جداً، وتلتقي مع البحر في صفاء عجيب، وتأثيرها الأهم خلال فترات النهار أكثر من الليل.
دامت رحلتنا العائلية عدة أيام، وتخللتها زيارة لعين الماء الحار التي تعتبر أبرز معالم المحافظة، حيث يرتادها عدد من السياح للاستشفاء الطبيعي. ورغم كل الجمال الطبيعي الذي يحف بالمكان وعدد القادمين إلى المنطقة من خارجها بقصد السياحة والتداوي بالمياه الساخنة، إلا أنّ الشقق المفروشة ما زالت غير مجهزة جيداً لاستقبال الضيوف، ويترافق هذا مع عدم وجود فنادق للزائرين، ما يجعل فكرة البقاء لوقت أطول غير واردة كثيراً للسياح.
انطلقنا من الطائف صباحاً، لنعبر وعائلتي الصغيرة، جبال مكة، إلى حيث اللافتة التي تشير جنوباً إلى اسم الليث، عبر طريق غير مزدحم تحضنه عن الجانبين، كثبان رملية رائعة، بطول خمسين كيلومتراً تقريباً، قبل الوصول إلى الطريق الرئيس بين جدة والليث، توقفنا في هذا الممر الرملي، للاستراحة قليلاً. كانت فكرة الاستراحة حجتنا المضمرة لكي ننطلق حفاة على هذه الكثبان الرمليّة، كالأطفال. أثارت تلك اللحظات القصيرة، الكثير من البهجة والضحك. وتلك أولى ثمار الترحال الصغير.
عند وصولنا إلى نهاية هذا الطريق الفرعي من مكة المكرمة إلى الطريق الرئيسي بين جدة والليث، تفاجأنا بكثافة الحركة لعدد من السيارات والشاحنات في كلا الاتجاهين، حيث اتضح لنا أنّ محطة التحلية الكبرى (الشعبية) تقع على هذا الطريق.
شواطئ الشعبية أو ما يطلق عليها (بحر مكة) تلك الشواطئ البكر التي يرتادها أهالي مكة المكرمة والطائف للسباحة والصيد الموسمي. مررنا بها ساعة ساحرة بكل معنى الكلمة. لا يبعثر صفاءها شيء سوى أصوات الأمواج الخجولة..
الليث كنقطة رئيسية في رحلتنا، كانت نائية عن العالم المنظم قسراً. وتتنفس في صورتها الطبيعية. وفوضاها البسيطة. وتخلق لها شكلاً ومظهراً خاصاً من السياحة لا يتكرر أو يتشكل كما هي بقيًة المناطق الساحلية في العالم.
المكان يدفعك لخلق مسكنك المؤقت وطعامك البدائي وألعابك الجديدة، وهذا كله من أهم ما يحتاجه الإنسان اليوم بعدما بات مأخوذاً بسرعة الحضارة. والليث مجرد نموذج لأماكن عديدة في بلادي سانحة للخلق الجديد والمُتع.