أيام في الجوف…

 عبدالله السفر كاتب وشاعر سعودي

9/29/2013
برنامج ( ملتقى الجهات ) فكرةٌ رائدة أخذها عبدالرحمن الدرعان إلى التحقق، حيث يستضيف نادي الجوف الأدبي، لعدّة أيام، مجموعة من مثقفي إحدى المناطق في السعودية يعرضون إبداعهم ونتاج المنطقة القافي، والأهم أن يلتقوا في مكان عزيز؛ يلتقون أهلاً وتاريخاً وثقافةً. وكانت التجربة الأولى لهذا البرنامج استضافة حشدٍ صغير من مثقفي منطقتنا عبر النادي الأدبي بالمنطقة الشرقيّة.
وجدت في هذا الملتقى فرصة ثمينة للاستزادة من بهاء الأصدقاء والتعرّف على مكان طالما تشوَّقت أن أذهب إليه؛ أرى وأسمع وأختبر ما أنا على يقين منه؛ أرض الذاكرة والرجال وحقول الزيتون والفعل الثقافي والاجتماعي، ونشاط المجتمع المدني الذي كان يُمارس هناك بصمت منذ نحو ثلاثة عقود.
بعد رحلة مرهقة وجدنا أنّ كلَّ شيءٍ كان معدَّاً بأريحيّة شماليّة وحميميّة كبيرة تربك وتلعثم المشاعر، وكان برنامج الأيام الثلاثة مملوءاً وزاخراً بدءاً من التعرف على المكان وزيارة بحيرة دومة الجندل، والتعرّف على آثارها ومتحفها وزيارة آثار سكاكا وقلعة زعبَل وبئر سيسرا، حيث التاريخ ينهض دالاً على سيرة، وحياة تأبى الاندثار وتحلّ في شواهد مرئيّة ومقروءة، تستحضر عظمة المكان وأثره في التاريخ القديم والحديث. وإذا كانت الآثار من التاريخ المنقضي فإنّ زيارة مقر مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيريّة المعروفة باسم ( دار الجوف للعلوم )، التي أُنشئت عام ١٩٦٥م على أحدث طراز معماري تُعتبر مكاناً مثالياً للعمل الثقافي الذي يُراد له أن يكون منتجاً في بيئة تيسِّر له ممارسة مهماته من مكتبة زُودت بشبكة الإنترنت قبل أن تعرف بلادنا هذه الخدمة في منتصف التسعينات.
قلت إنَّ البرنامج كان زاخراً بالزيارات وإقامة الأمسيات، لكن أكثر مكتسبات هذه الرحلة أثراً تلك اللقاءات المسائيّة والليليّة في باحة فندق النّزل المشيَّد على الطراز الأندلسي، الذي جمع الأصدقاء والزملاء على أحاديث ذات شجون وشُعب تنتقل من الشعر إلى الرواية إلى النقد إلى المسرح إلى الغناء الشعبي إلى حياتنا الثقافيّة في الأندية والجرائد. مساحات من الحوار والنقاش تتوسّع بالمداخلات والتعليق من جميع الحضور الذين أحسبهم كانوا بحاجة إلى تحريك عضلاتهم الثقافيّة واكتشاف ما لدى كل فرد من إضافة تغني النقاش وتطيل من عمر شمعة السّهر.
قبل أن نغادر أودعت جوَّال الأصدقاء هذه الرسالة النصيَّة (الشكر الذي لا ينفد يا أجمل الأصدقاء، وأحب الأماكن).