الأحساء مهوى أفئدة الشعراء…

 ميزرا الخويلدي / صحافي سعودي

9/29/2013
لكل مدينة سحرها، لكن للأحساء سحر الأساطير. عاصمة النخيل تأسر قلوب زوارها كما تلف بالشوق أفئدة أبنائها. تفاجئ القادمين إليها بسحر البسمة، وعذوبة الكلمة، وكرم الضيافة، حتى لترخي النخيل أعنتها أمام القادمين.
الواحة التي تجلي الهمّ، وتنفض عن زائريها عناء الطريق، وتُشعر الآتين إليها بأن النخيل يبادلهم الشوق، والماء يقاسمهم الحنين، أما أهلها فهم عنوان وفاء وبيت كرم، وقلوبٌ عامرةٌ بالطيبة والفرح.
عراقة الأحساء لا حدّ لها، فهي تبدو قطعةً نفيسة من التراث. ففي كل زاوية تاريخٌ ينبض، وعند كل مفرق تراثٌ يتكلم. وبين بساتينها تكتنزُ الحكايات. زائر الأحساء لا يمل ولا يسأم، فحيثما توجّه ثمة تاريخ وتراث، وأينما جلس ثمة شعر وأدب. وكلما شعر الإنسان بالحنين للعودة إلى حضن الماضي الجميل، وكلما حنَّ للسفر إلى حيث الأصالة والجزالة والتراث العريق، كانت الأحساء تفتح ذراعيها لتروي غليل المحبين.
زائر الأحساء الذي يقصد الطريق الزراعي المسمّى طريق القرى، يدخل وسط واحة زراعية لامتناهية الجمال، ويمّر عبر قنوات المياه التي تشّق طريقها، وفي كل زاوية يقف شباب محليون يسوّقون منتجات البساتين من الرُّطب والتين والرمان والليمون، وكانت الأحساء تزخر بالعيون الطبيعية التي تجاوزت ستة آلاف عين. وعبر الأفق ينتصب جبل القارة، أبرز المعالم السياحية الطبيعية في الأحساء وأكثر المواقع التاريخية شهرة، بالإضافة إلى وادي صبصب الأخضر، وبحيرة الأصفر، وجبل الأربع، وجبل الملح الكبير، ومسجد جواثا التاريخي، وسجن البارون العثماني، وقصر إبراهيم الشهير، ومسجد القبة الذي يقع في الركن الجنوبي الغربي للقصر، وقصر المجصة جنوب بلدة الطرف، وقصر صاهود في مدينة المبرز، وقصر خزام الذي كان أول الحصون التي سقطت في يد الملك عبدالعزيز ليلة الخامس من جُمادى سنة ١٣٣١هـ (١٩١٠م)، بالإضافة إلى سوق القيصرية التراثي التاريخي الشهير.
في الأحساء تنبت الأرض شعراء، كما تنبت النخيل. وتجري بحور القصيد، كما تجري مياه الساقية، ويرتشف الأطفال في المهد حبَّ الأبجدية، وموسيقى بحور الشعر، ووزن القافيات.
واحة النخيل التي يتوحّد فيها هوى الشعراء مع قامات النخيل الباسقات، ومع الينابيع حيث «لاتجد طرفين بينهما يلتهب حبٌ أو شوق، أنت هنا تجد «توحّدا»، تجد دما تهجر قسراً عن دم، تجد واحداً تَغَرّب عن ذاته، ويطارده نداءٌ حارق ليعود إليها» علّى ما قال ابنها العبقري الشاعر محمد العلي، وهو يتحدث عن هوى شاعر آخر هو جاسم الصحيّح الذي ذاب شوقا في الأحساء. الصحيّح صاحب قصيدة « حبيبتي الأحساء »، هو الذي يقول: قصائدي هيَ أسرار النخيل، فمن/ لم يقرأ النخل لم يقرأ دواويني / لا أشرب الحب إلا حين تعصرني / الأحساءُ في كأسها الأوفى وتسقيني ».