ملاحقة نقوش الصخور في الردف…

 ماجد العتيبي شاعر وصحافي من السعوديَّة

10/29/2013
في المنتصف، كما تفعل مدينة الرياض، وهي تقبض على الاتجاهات من ياقة قميصها، أقف أنا الآن أفتّش الخيارات كحبات فستق في راحة يد، مشغولاً بتوقع أين يمكن أن تصل سيارتي؟ أريد أن أختبر جودة الصيف في مدينة جديدة. ربما نحو الشمال، حيث الأرض المستوية كسطح الماء، ولكنة الأهالي الذين لديهم متسع من الوقت لتصبح الجُمَل أطول مما تبدو عليه هنا في الرياض، وبالطبع الكرم القديم الذي لم تمس الحضارة قداسته حتى الآن. هناك حيث عرعر وسكاكا والقريات وتبوك. أو ربما شرقاً نحو الخبر، والدمام، والأحساء، حيث السفن والغوص والقلاع وذاكرة منسوجة بخيوط المسجد وحبات اللؤلؤ، وقصائد قد تأتي بغتة في هيئة صبايا يلبسن القفطان المطرز بالقصب. أو جنوباً في ملكوت طقس جليل، يراهن بالغيم والمطر، نحو أبها بالتأكيد والسودة والقرى التي تشم الجبال بسواقيها ومدرجات الذرة والبرّ، حيث المطر يأتي بغتة كخَبر ميراث أو فوز باليانصيب، أو لتكن غرباً حيث الشمس تسقط في كوب من المرجان في جدة، واللكنة الخفيفة التي في وسعها أن تقترح قصيدة رشيقة عن الصباحات والشرفات المطهمة بالروشن والطرق المغسولة بماء الورد. أو غرباً صوب مكّة المكَّرمة، المدينة المنورة وينبع والطائف، حيث التاريخ له رائحة بخور ولبان.
في المنتصف أقف، أقلب الخيارات كقطعتي نرد على الخريطة، كعادتي كل سنة في ابتكار صيف يليق، ثملاً من الذاكرة والتاريخ والتضاريس، أمنح جالون البنزين فرصته لكي يقودني نحو أي مكان يمكنه أن يصل إليه، متوعداً الصيف بتفاصيل جديدة وسحنات معجونة بتراب أرضها.
أقف الآن فوق إحدى تشكيلات الصخور العجيبة ناحية الردف في منطقة الطائف، حيث قادتني سيارتي ورائحة الدهشة، لعل اسم الردف أتى من تشكيل الصخور وترادفها فوق بعض أو جنباً إلى جنب. أحصيت ما يقارب مائتي نقش على هذه الصخور تعود لأواخر القرن الأول الهجري وبدايات القرن الثاني وفقاً لأسلوب الخط، وهو كوفي غير منقوط، تحمل هذه النقوش أسماء ناقشيها وآيات قرآنيًّة أو بعض الأدعية، وهي كما اتفق أغلب الآثاريين على تسميتها «نقوش الرعاة» أو المذكرات والخربشات. المدهش في النقوش هو احترافيَّة خطها واستقامته، وهذا دليل رائع على أنَّ السكان القدماء كانوا يجيدون الكتابة والقراءة.
الطائف مدينة رائعة ومتحف في الهواء الطلق، كل ماتحتاجه هو قدمان جسورتان تلاحقان النقوش والقلاع وآثار الإنسان القديم في جبالها وسفوحها.