بقعة من الأرض برائحة الفردوس…

 فهد الطاسان / كاتب سعودي

11/29/2013
هنا طريق الهجرة. ضمَّني بصديقي الطريق «أيمن» و«عبدالعزيز». مشاعر تعصف بالروح. هنا طورد الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، هنا غزوات وغارات أُثيرت. هنا قوافل مرَّت. هنا غبار معارك. هنا طريق مُهمَل، لا يليق بطريق هجرة، لكن روحه متعة لا تعدلها متعة.
وصلنا طيبة الطيَّبة، طيبٌ كل ما فيها. تنفي خبثها، وتقرًّب طيبها. هنا الأجساد الطاهرة، الرسول والآل والأصحاب. هنا قباء، مسجد أُسِّس على التقوى، صلاة فيه كممرة. هنا طرقات المدينة، كان يمر بها صلوات ربي عليه، يلعب مع الأطفال، يسابق عائشة، ويحل مشكلات المسلمين.
هنا المدينة، تشربت اللّين واللطف مع الدين، ورأتها رأي العين. هنا بساتين النخل، هنا أبو الدحداح يترك بستاناً كاملا من النخل، في سبيل نخلة في الجنَّة يأمل أن يتفيّء ظلالها. هنا «أحد»، الجبل الذي.. يحبنا ونحبه، أريقت تحته دماء أشرف الخلق، وشهد أعظم درس: الصبر على الدنيا وعدم الانجراف لها. هنا المدينة، مهد انطلاق الإنسانيَّة للإنسان البدوي، تعلّم كيف يحترم الأطفال والجنائز، فما بالك ما بينهما! هنا الأخوة الحقَّة. تقاسم الصحابة كل شيء، البيت والمال والأزواج. هنا لا فرق بين أحد. هنا لا طبقيَّة. هنا لا واسطات في الظلم «ل، أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، الكل هنا سواسية. تمشي في ممر الحرم فتقابل احتراماً تجده من كبارهم لكبارهم قبل الصغار، كيف لا وقد عُلّم أجدادهم: «ليس منَّا من لم يوقر كبيرنا». يلفتك منظر وافد قدم للزيارة، يوزَّع على عمال الحرم من ماله، يمارس به بعض لطفٌ البقعة المطهَّرة. يلفتك هناك زائر يقف متسمَّرا على أعتاب القبر يسلم، وهو رافع كاميرته يصوَّر اللحظة الأشرف في حياته: السلام على الشخصيَّة الأعظم التي مرَّت بسيرته الذاتيَّة. لا يُلام، وكيف يُلام، معذورٌ في هذا التجاذب، لا يعرف ما إذا كان يفترض به أن يستسلم للسلام، أو يوّثق اللحظة، اللحظة التي قد لا يقابلها مرة أخرى في حياته.
هنا البقيع، يا لله كم من أجساد طاهرة دفنت هناك. كم من دماء زكيَّة تفوح منه، يا لله على كمَّ الأحباب فيه، لا تتمنى إلا أن تحشر معهم لا تفرَّق بينكم مراتب ولا درجات، صحابة، شهداء، صدِّيقون، ومبشرون بالجنة. هنا خرج إليها رسولنا صلوات ربي عليه، يشتاق إلى إخوانه، يا لله على لطف وكرم عظيم، نحن، إخوانه!. وأنا أقف لا تمنعني عنه إلا بضع خطوات، غاية أمنياتي، لمحةٌ فقط، ولا أملك إلا تخيُّل القرب، والاستشعار كأعمى.. يا لله ما أقسى هذا الواقع. يرتفع الأذان فيسكن كل شيء، فتتذكر «أرحنا بها يابلال». تستمع لتلاوة الإمام لآيات الخطاب، فتستشعر أنَّ المُخاطَب بقربك، هنا، بجانبك، لا تفصل بينكم إلا بضع خطوات.
هنا المدينة، بقعة من الأرض برائحة الجنة.
هنا المدينة، يا رب صلِّ على قاطنيها، وبارك في ذرايتهم، وارحم زوَّارها.