الرحالة يصفون قصور الحكم…

 سمير عطا الله كاتب لبناني

12/29/2013
في العادة، يعود الرحالة والكتَّاب من مكان، فيروون مشاهداتهم عنه. بالنسبة إليَّ، انعكس الأمر، فذهبت إلى دارة الملك عبدالعزيز أبحث عن الأمكنة التي قرأت عنها: السيارة الضخمة الجميلة التي كان يستخدمها الملك، أو جهاز التلكس الضخم الذي أفردت له يوما غرفة كاملة، ولم تكن وسيعة أو ضخمة في أي حال. كان جهاز التلكس في حجم آلة بيانو، ولا شيء في الغرفة سواه.
تأثرت كثيراً بما وضعه الرحَّالة. لكل منهم أسلوبه في الكتابة وفي الرواية. ولكل أسلوبه في التدوين قبل الجلوس إلى إنهاء العمل. وأي عمل. أراد تشارلز دوتي من خلال رحلته في الجزيرة العربيَّة، ليس أن يكون أهم الرحالة إلى المنطقة فحسب، بل أن ينافس شكسبير في بلاغة الإنجليزية. وبالفعل، وضع ما سمَّاه «لورانس العرب» ( الكتاب النهائي للرحلات إلى الجزيرة ).
أياَ كان الأسلوب، فقد كان مختلفاً عن طريقة الرحَّالة العرب أنفسهم، أشهرهم وأقلهم شهرة. فعند الرحالة العرب لا وجود للفرد العادي ولا أثر. هناك دائماً الحاكم القائد أو «صاحب البلد». أما الرحالة الغربيون فدوَّنوا تفاصيل وبساطة الحياة اليوميَّة. وكم كانت قاسية وصعبة. مقابل الخشونة في أسلوب تشارلز دوتي، كتب جيرالد دي غوري بأسلوب رحب مبسط. ومنه أخذت أجمل وأدق وصف لقصر الملك عبدالعزيز ولرحلة معه إلى البرَّ. ونرى الرياض أواسط الثلاثينات من القرن الماضي بلدة صغيرة لا كهرباء ولا ماء. وكان الشيخ يوسف ياسين، سكرتير الملك، الوحيد الذي يمشي ومعه مصباح على الكيروسين، فإذا خرج في الليل من منزله القريب إلى القصر، هتفت الناس «طريق للشيخ يوسف. طريق للشيخ يوسف». جميع الذين قابلوا الملك عبدالعزيز من الرحالة انبهروا بذكائه. لكن ربما كان «يغوري» الأكثر انبهاراً بينهم. وكان يقول إنَّ الفارق الهائل كان واضحاً بين الرجل وبين الآخرين. جاء ديغوري إلى الرياض من جدَّة، وقد تعجب الملك من أنَّ الرحلة استغرقت ست ليالٍ فقط. ويروي أنَّه في الطريق لقي ترحاباً من الناس. وفي إحدى المحطات طلب منه طفل صغير أن يعطيه ثوباً، فأجابه أن ليس مع الجماعة ثوب للصغار، فعاد الطفل إلى لهوه من دون أي شكوى.
وصف لنا الرحَّالة طرق الحكم ومعاملة الناس. دي غوري (وسواه) الملك عبدالعزيز، والدنماركي رونكاير وصف بدقة مجلس الشيخ مبارك الكبير في الكويت، كما وضع ويلفرد تيسيجر وصفاً جميلاً لمجلس الشيخ زايد بن سلطان يوم كان حاكماً على العين. كان ذلك عام ١٩٤٨ وكان زايد بالقول: «كانت أبواب القلعة مقفلة والمكان قفراً. أنزلنا أحمال جمالنا وتمدَّدنا على الأرض، لننام قليلا في ظل الجدار. وعلى مقربة منَّا كانت بعض المدافع الصغيرة نصف مدفونة في الرمل، والأرض غير نظيفة تماماً، في حين رأينا بعض الصبية يلعبون بالطائرات الورقية التي علت فوق أشجار النخيل. وفي المساء خرج عربي شاب من أحدى البوابات ومشى قليلا في الرمل ثم جلس القرفصاء».
لقد ترك لنا الرحالة الفصول الضائعة من حياتنا وتاريخنا. الرحالة العرب طفقوا يطلبون الحكم أو المال أو الزيجات، أو الثلاثة معاً. والمشاهير منهم حصلوا على الكثير من ذلك. والمؤسف أنَّ ابن بطوطة لم يدوَّن تفاصيل رحلاته الهائلة أثناء القيام بها، بل رواها بعد عودته إلى فاس، التي خصصت له سلطانها كاتباً يدوِّن ذكرياته. ولا نعرف كم كان قد نسي منها وكم أضاف إليها.