مدينة الجميع وكل المناسبات…

 عبدالله العثمان شاعر وفنان سعودي

1/29/2014
لا بد من استكشاف نفسك في المكان الآخر بالتعارف والالتقاء بعوالم وثقافات مختلفة عبرت وكان لها تأثيرها. في السفر تجربة البحث والمتعة، وتجربة الذات بالترحال إضافة جديدة في كل مرَّة للروح والمخزون الثقافي الشخصي. وبالبحث والترحال يتطوَّر ويضيف المرء أفقاً وطيفاً معرفياً للنفس وهذا ما تؤكده مقولة الشافعي الشهيرة في فوائد السفر والترحال الخمس: «رحلة الاكتشاف الحقيقيَّة لا تنحصر في رؤية أرض جديدة. بل في الحصول على رؤى مختلفة متطورة بالعلم وبحياة الشعوب»، فكيف إذاً برؤية مكان عبره تاريخ عريق وممتلئ بالأساطير والرموز وشخصيات تاريخيَّة تركت رسالتها وأسست ذاكرتها في مكَّة المكرَّمة، لتمتد هذه الرسالة لكل بقاع العالم منذ رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ومن قبله النبي إبراهيم وهاجر وإسماعيل، شخصيات مهمَّة إسلاميَّة وتاريخيَّة.
في فرصة مختلفة بماطلبها ذهب لمكَّة المكَّرمة بعد استقبال رائع من نادي مكَّة المكرمَّة الأدبي، لم أعبر ميقات «السيل الكبير»، ولست ملبياً ولا أقصد شعائرها الدينيَّة، إنما وصلت لمكَّة المكَّرمة من جهة الحارة القديمة بالقرب من منزل محمد الثبيتي، سيد البيد، رحمة الله عليه، أعبر منزله وقصائده عن مكَّة والصحراء وبوابة الريح تشرق في رأسي. لبيت دعوة النادي الأدبي بمكَّة المكرمَّة بإقامة أمسية شعريَّة ذهبت بأوراق وقصائد. ذهبت بالشعر لألقيه وأسمع حركته في مكان ديني على أساس أنَّني أقوم بتجربة ذاتيَّة ممتعة، أي أن أسمع ارتداداته في جبل النور هناك. بالمجاز طبعاً. وبالقرب من المسجد الحرام. حضرنا الأمسية في النادي والحضور يملأ المكان والتقيت بنخبة رائعة من المثقفين والشعراء الذين يحملون مكَّة المكَّرمة في أفئدتهم وأمسينا مساء مدهشاً ومتفاعلاً ورائعاً، حيث إنَّ الشعر في أهل مكَّة يتألق وفي وجدانهم.
في آخر السنة الماضية تحديداً كنت هناك في مكَّة المكَّرمة، حيث إنَّها مفاجأة خارج أسوار ونطاق الحرم، واكتشفت معالمها وعوالمها عن قرب أكثر، وفي عمق تفاصيلها وفي إرثها الشعبي العميق بتنوعه. إنها مكَّة المكَّرمة، الخليط المنسجم بالأعراق المختلفة والكثافة السكانيَّة والزمن الماضي والحديث، والتراكم الحضاري. اكتشفت مكَّة المكَّرمة من آلاف السنين من ثقافات البشر البسيطة حتى أصبحت كما هي الآن من التنوع وتقبل الآخر بكل الأشكال؛ لأنَّ مكَّة المكَّرمة للجميع. لم أكن بحاجة لدليل سياحي يرشدني، دليلي الطريق و خارطتي الشارع المكتظ بالحياة. كل الطرق تؤدي إلى بساطة الحياة غير المتكلفة، تؤدي إلى المطاعم الحجازيَّة القديمة والمقاهي الشعبيَّة مروراً بالحارة بأولادها الذين يملؤون دهاليزها ضحكاً ومغامرة.
في كل رحلة إلى مكَّة المكَّرمة، مهما كان عنوانها ومآربها، سياحيَّة أو دينيَّة أو ثقافيَّة أو للقاء صديق، في أي رحلة أكتشف مكَّة المكَّرمة جديدة ومختلفة، وكأنَّ لهذه المدينة ألف وجه ووجه.