السفر نحو الزمن!

 خالد السليمان كاتب سعودي

 
بالنسبة لي السفر للسياحة هو تغيير بيئة المكان والإنسان، فالمتعة الحقيقيَّة للسفر هي في الاتجاه لأماكن غريبة يشعر فيها السائح بأنَّه يسافر عبر الزمن ليرتمي في أحضان ثقافات وحضارات مختلفة تمنحه فرصة للتعرّف على نفسه بين تلك الثقافات والحضارات المختلفة. وقديماً قيل إنَّ للسفر فوائد قيَّمة ومفيدة، لكن فائدته الثامنة بالنسبة لي هي أنَّه يمنحك فرصة الشعور بالغربة الإيجابية، فلا معنى لأن يسافر المرء لياقبل الوجوه نفسها التي خلفها في الموطن، أو أن يستقرّ في البيئة الجغرافيَّة والاجتماعيَّة نفسها التي ألفها. لذلك أحرص دائماً على اختيار الأماكن والأوقات المناسبة لتحقيق ذلك، فتحقيق المعادلة الملائمة يحقق لي الإجازة السياحيَّة المناسبة، ولعل في ذاكرتي أماكن عالقة ما زلت أستشعر رهبة المكان والإنسان فيها، وليس بالضرورة أن يكون إنسان الحاضر، بل الإسنان الذي عمَّرها ومشى على أرضها ولامس أحجارها.
على سبيل المثال ما زلت أستشعر رهبة رؤية الأهرامات المصريَّة لأول مرَّة وتخيل الفرانعة وهم يبنونها، وزيارة صخور «ستون هيج» ببريطانيا، والتفكير في أسرارها الغامضة، والجلوس في مدرجات مسرح «الكولوسيوم» المهيب في روما، وتخيل الرومان وهم يحتشدون لمشاهدة المجالدين وهم يصارعون الأسود الجائعة أو يقاتلون بعضهم حتى الموت، وكذلك قرية بومبي التي طمرها بركان فيزوف بنابولي الإيطاليَّة عام ٩٧م، وكشف التنقيب عن حفظ صهر الحمم للقرية بمعظم تفاصيلها البشريَّة والإنشائية، لكن المكان الذي ما زال عالقاً في ذهني كان قصور الإمبراطور الروماني أدريان، التي شيَّدها هذا الإمبراطور الشهير خارج روما قبل ألفي عام من ميلاد المسيح، حيث تدهشك قدرة إنسان ذلك الزمان على تخطيط وبناء تلك المباني الفاخرة بمسابحها الضخمة المزينة بالفيسفساء مع أنظمة تغيير مياهها الفاعلة، ونقوش قاعاتها الفاخرة والقدرة الهندسيَّة المذهلة على تأسيس البنى التحتيَّة لخدمات القصور.
لكن لزيارة مدائن صالح بمنطقة العلا مكانة خاصة في ذاكرتي ووجداني، فهي بقعة من بقاع وطني الغالي العديدة التي ضربت بأطنابها في أعماق التاريخ وحضاراته، وما زلت استحضر تلك اللحظات المهيبة التي بدت لي فيها تلك الحجرات المحفورة في الصخور، فقد كانت لحظات ساحرة امتزج فيها الزمان بالمكان فغصت عميقاً في بحر من الخيال مجتمع الأنباط، الذين عاشوا فيها حتى بدا لي المكان الساكن واحة من الحياة الصاخبة.
إنَّ أهم فائدة للسفر حققتها من خلال زيارة وتأمل هذه الأماكن ومحاولة الاتصال بإنسانها، هو الشعور بقدرة الإنسان عندما يواجه التحديات مع نفسه، والمدى الذي يمكن أن تبلغه إرادته لبناء الحضارات والطموح الذي يحلق به نحو مستقبل لا حدود له.