الأحساء.. مدينة التأنّي

 عبدالعزيز الزهراني المشرف على موقع صحيفة الجزيرة الإلكتروني

5/29/2014
هل تعرف كيف يصحو النخل، ليرحب بالآتين من الصحراء، في أول واحة. هكذا تبدو الأحساء. ثمة ليس الماء في العيون، بل الحياة كلها، في تلك العيون. ليس برد الكهوف المندسة بين أحضان الجبال الشمّاء، ترحب بالعابرين إليها من لهب الصحراء، بل برودة القلب والطمأنينة.
في كل بلدات بلدي الجميلة، ما فكرت يوماً، أن أزور متحفاً، ربما لاعتياد الإنسان المكان والناس والأشياء. ولأن السائح كما يقال: أعرف أحياناً بدروب المدينة من أهلها. الآلفين لها، حدَّ أن لا يدققوا النظر بأعينهم ولا عين الكاميرا. وفي الأحساء فعلت، زرت متحفاً. قال لي عبداللطيف، وجه الأحساء المبتعث الآن بأمريكا: يجب أن تزور متحف الأحساء، لدى «الحساوي» فتنة الشموخ بمدينته: تاريخها، نخلها، عيونها، طيورها، أسواقها، نعم، لقد زرت سوق الطيور، وسوق السبت، وسوق الفخار، وأسواق بين ذلك كثيرة. لأن الأحساء مدينة تعرف نفسها، تستعرض فتنة التاريخ في كل لحظة وزاوية.
تملّ مواسم التاريخ، تجد الأحساء أولاً، وتملّ ملامح الجغرافيا، تجدها أيضاً بارزة. كهوفها الباردة، نخلها الشامخ كأعناق الرجال الواقفين، عيونها، وعيون الأطفال الناعسين على ضفاف بين البين: رونق الخليج، وبهاء الصحراء، مساجدها القديمة، بقدم دعاء. بيوت ناسها الطيبين، الذين لم تغيّرهم مواسم وتقلب الأجواء، وعوامل التعرية.
للأحساء ألفة، ستدركها، أول ماتصافح خطواتك دروبها، ولأهلها قرب، تكنس أول كف ممتدة إليك، كل أبعاد المسافة. مدنها الموزعة داخلها، شوارعها الضيقة بالمساحة، الواسعة بالرحابة، إنارتها ليلاً، كأنما هي لاتنام، تحكي التاريخ، وتتلو على هزيع الليل، نشيداً من السنوات والعمر والأحداث. أرز الأحساء، نوارس الأحساء دائماً، امتيازها، فيما تعتاده المدن الثانية، أو لا تجده، هات نخلة، وبشتاً، وضيافة جميلة، هات أطباق البحر، ممزوجة بنكهات البرّ، وستجدك في أول مجلس ضيافة «حساوي». لتكون للحرفة، وفتنة النكهة، ومعنى التذوق الجميل، الذي تسكنه وتسكّنه في «تأن» مدينة الأحساء.
لو كان للمدن أن تكون قصائد، وكان للشاعر أن ينشئ كل مدينة قصيدة، في مدة معلومة، لجاءت الأحساء في أطولها، لا بتعدد الأبيات، بل بتمدد الأوقات، هذه المدينة مبنية على «التأني» البهيّ. جلال التبطء. تقول إيزابيل الليندي: للعجلة مساويء من بينها: فقد جلال الإرستقراطية. وهنا تحضر الأحساء، في تأنيها المتمهّل بغنج مشية جميلة: تأن في الكلام، في مواسم النخل، في تقلّب الجوّ، في فقدان الأرض للماء «الحسي»، في رفة أعين قاطنيها، في رفرفة أجنحة طيورها، في شروقها والغروب، في انسياب أزقتها، في دخولها لحقبة، وخروجها من أخرى، في تمهلها من الحداثة - لا زالت الأحساء لم تأخذ حقها، لا حظها من التحديث والتمدين -. تأنٍ في كل شيء، وعجلة واحدة: اكتساب ودّ الغريب.