دفتر المناخات الدافئة…

 علي بن محمد الرباعي

6/29/2014
مع كل شمس تسطع تنبعث في داخلي رسائل شجن لا أدري ما سرُّ انبعاثها، وربما لا أحسن التعامل معها ولا التمييز بينها. وكفقير ينتظر بارقة يد حانية في رابعة النهار، أظلُّ مرتهناً لصدفة أو قدر أو صديق يطلب الرفقة في رحلة يوم إلى فضاء مائي ومناخات دافئة، خصوصاً عند حلول الشتاء المثبِّط للهمَّة والمحفِّز للبحث عن موطن النوارس فاندفع غالباً مغمض العينين كون المشاعر التي نحملها لمكان ما، والعلاقة الحميمة مع زمن مضى وإنسان أتى، لا تنبع من الداخل قدر ما تفيض من الخارج. لا ريب أنَّ هناك تأسيساً ما للذائقة نرضعه من صدور أمهاتنا لنقضي هزيعاً من الطفولة والشباب حالمين ومحلقين بالخيالات.
كنتُ أشعر أنَّ خارج حدود الباحة هو أقصى الأرض حتى سافرتُ إلى الطائف ثم جدَّة، ثم لاحقا إلى مكَّة المكَّرمة للدّراسة الجامعية. وإذا كانت المدن عند الشاعر العربي نزار قباني كالنساء، فهي عندي كالأمهات، منهنَّ الحنون جداً، ومنهنَّ الجادَّة، ومنهنَّ المعتزة حدَّ الغرور بذاتها، هكذا شعرت تجاه المدن التي زرتها ومررت بها بعد خروجي لأول مرَّة من منطقة الباحة. وكان هذا الخروج اكتشافاً لمدن المملكة الكثيرة والمختلفة والمتنوَّعة بتنوَّع مناخها واجتماعها وجغرافيتها وتاريخا. وبما أننَّي كائنٌ جبلي فمن الطبيعي أن أقع في أسر الماء سريعاً، فكان للحظة اكتشاف البحر وهج لا يغيب عن الذاكرة. وحين رأت عيناي مدَّ السواحل الغربيَّة لأوّل مرَّة أنخت ركاب قلبي، حيث المكان والأنسان والشجن، وحيث هذا الامتداد العظيم لصحراء الماء، تلك التي لا نراها في مناطقنا الجبليَّة. كان امتداد البحر وهديره وزرقته الحدود التي يرسمها بين الشواطئ والأفق بمثابة إنذار لشخص ما زال في طور الاستكشاف مثلي. وقد عنى لي أنَّ الوقت والتنقل والحشريَّة كلها كفيلة بأن تعرِّفنا على اختلافات مناطق المملكة وتنوِّعها وجمالها الأخاذ، سواء كان رمالاً في صحراء أو جبالاً وغابات أو دياناً من صخور أو مدناً قائمة على الشواطئ.
أغرمتُ بكل ما هو ماء وما حول الماء منذ اكتشفت البحر. قبل أيام كنتُ في رحلة بريَّة عبرتُ خلالها محافظات الليث، والقنفذة، والقَوز، وحلي وكياد، وعمق والبرك، والقحمة، والحريضة، والشقيق، فحسدتُ ساكني هذه المواقع المصطفاة بحسٍّ ملائكي، فالعيش قرب الماء نعمة لا يقدرها إلا من فقدها، وإذا كان هذا الافتتان بالساحل الغربي سبباً لشعوري بخيانة الجبال، التي قدمت منها وعشت وتربيت فوق سفوحها، إلا إنَّني على العكس أقول إنَّ الخالق قد خلق لنا كل هذا التنوُّع لكي نشعر بأهميته ونستفيد منه ونحافظ عليه.