استعادة‭ ‬أولى‭ ‬للمكان‭..‬ مكة‭ ‬في‭ ‬حكايا‭..‬

 أحمد بوقري

1/29/2015
​حين يراد للذاكرة أن ترتحل في المكان.. مكة بشكل خاص فإن صور المكان والتداعيات لابد تنثال في سيلٍ من الحكايا: حكاية الطفولة الأولى ومقدمات الشباب العنفوانية المليئة بالتحدي.

كنا نسكن «أنا وأهلي» أسفل الوادي.. ومكة «وادٍ غير ذي زرع»، يمتد هذا الوادي المقدس شمالاً من المعابدة ويمضي جنوبًا حتى يصل إلى سهل المسفلة حيث نمَوت هناك في بيتٍ مبني بالآجر الأحمر من طابقٍ واحد وصلب عودي شابًا في أزقة متربة ملتوية نتلمس في عتمتها كل ليلة أبواب الحنين، وتصطخب خلفها أصوات الجدات والأمهات وصراخ الأطفال معجونًا بأصوات (الأتاريك) المشتعلة وقرقعة صحون العشاء تحت خيط الماء المصبوب من صنبور الحنفية الصدئة. من هنا تربى الحنين وكبر الحب وانطبع المكان في القلب. ومن هناك صرت ذاك الذي يعشق الترحال اليومي صوب الشمال، وما أبهج الأنوار هناك! يمتزج النور الروحي بالنور البشري المتنوع حيث تقع الكعبة المشرفة ومحيط الحرم المكي في قلب هذا الوادي تحفها الأسواق: «سوق الصغير»، وسوق الليل، والجودرية. وتطل البيوت الوادعة تشرئب للنور من سفوح جبل قبيس وجبل هندي، وفي كل سفحٍ لوالدتي ذكرى وكل ذكرى صارت أطلالاً في مخيلتي.
في أماسي ليالي الجمعة بعد صلاة العشاء كنت ووالدي نعرج على سوق الصغير نبتاع عشاء تلك الليلة جبنًا وحلاوة طحينية ولدو وهريسة وحفنة من حلقات الشريك «خبز مكي خاص». أما أذا أردنا أكلاً دسمًا فما علينا ألا أن نعرج على سوق الليل لكي نحمل معنا كيسًا ساخنًا من كرات كباب الميرو ونرتحل على الأقدام في العود الليلي إلى أسفل الوادي.
في رحلة العودة تلك يمتد المكان الذي ما زال يرعف في ذاكرتي نمر بحي الهجلة ببيوته الكلاسيكية وبروزاته الخشبية «الرواشين». وللروشان معي أجمل قصة حب مراهقة حيث كانت الحبيبة تطل عليَّ من روشان مقابل.. وظلال وجهها يتحرك كخيالٍ. أما أنا فكان ينتابني شعور خارق لا وصف له.. عندما أصل ووالدي إلى بركة ماجد الشهيرة وهي مسبح مجاني في تلك الأيام نكون قد اقتربنا من عتبات حيِّنا: المسفلة.
ولا أنسى كيف كانت المسفلة مقبرة السيارات والشجر والحصى عندما حلت سيول الأربعاءات.. كنت أرى سيل الأربعاء هادرًا بصوت مخيف يخطف في طريقه من سيارات وبشر، وكنت من أعلى سطح بيتنا أرقب المشهد بشعورين معًا مزيج من غموض الفرح ورعشة الخوف. ولا أنسى نظرات حزن والدي، أيضًا، فقد اختطف السيل سيارته التي ابتاعها حديثًا مقابل مجلدات من الكتب الأمهات كانت تعمر مكتبته التي ما زالت عامرة.
عندما أفيق من غيبوبة هذه التداعيات أجد المكان ما زال محروسًا بالنور القدسي وقد تصدَّعت في جنبات الوادي كثبان الذكريات، وتباسقت أشجار الإسمنت..!
* ناقد سعودي