المكان.. آل فرحان

 محمد علوان

2/28/2015
حين غادرت «مزيغة بنت علي» قرية آل فرحان، التي تغفو في أحضان الجبال، كانت لحظتها أميرة غير متوجة، كان الرجال والنساء على حد سواء يطلبون منها النصح والمشورة. كانت تملأ فضاء تلك القرية، كان منزلها المطل على سوق الإثنين في «بن حموض» مقصدًا للجميع دون استثناء. وهذا السوق أسسته عائلتها وسمي بذلك، كما هو حال أسواق الجنوب.كانت لديها القدرة والحرية اللتان منحهما المجتمع آنذاك، فكانت امرأة متفردة لها رأيها ومشاركتها في أحوال القرية، وبناتها تزوجن وغادرن إلى أبها. أصبحت وحيدة، وابنها الوحيد تزوج وغادر القرية إلى «تمنية» بعيدًا عنها.

ألفت الوحدة، وكان السوق يمثل لها فرحة أسبوعية، إذ تلتقي وجوهًا مختلفة، وتصادف قصصًا وحكايات تمثل لها زادًا وتضيف لها تجربة جديدة. القرى في الجنوب لها رائحتها الخاصة، وطعمها المغاير، إذ تجد منازلها متلاصقة وكأن الخوف من مجهول قادم يتربص بها، ولذا كانت بتلك الحميمية والالتصاق. المكان كان حقلاً بذرت به حكايات العشق وقصص المحبة، تلك الطرق المتعرجة داخل القرية صعودًا وهبوطًا تمنح الأمان، ووجوه النساء والرجال تبث الرغبة في العمل، إذ يذهب الجميع إلى الحقول، حيث الآبار التي تهب الماء وسط الحقول مزهرة بالعطاء، ورائحة الأغنام، وحزة الغروب، والراعيات يقدمن من كل صوب، ومنظر الأغنام الصغيرة وهي تنطلق إلى أمهاتها.
ها هي رائحة المساء تهب على القرية، ورائحة المرق واللحم وخبز التنور، ونوافذ بيوت القرية تعكس أنوار الفوانيس من كوى البيوت التي تعكس حركة النساء، وأصوات الرجال و هم يتجهون إلى المسجد وألسنتهم تلهج بذكر الله والصلاة على نبيه. «مزيغة بنت علي» تهز «الدبية» المملوءة بالحليب الذي سيتحول إلى لبن وزبدة بطعم يثبت في الذاكرة.
قرية آل فرحان والبيت المهجور في بداية القرية، والقصص التي تروى من أهالي القرية في أماسيهم، وحكايات الجن الذي سكن ذلك البيت، والثعبان الذي لا يخرج أبدًا لأنه يحرس جوهرة ثمينة داخل أحد الجحور في هذا البيت الأسطوري الموحش!
المكان في القرية هو المسرح الحقيقي لحكايات الحب والكره، وسوق الإثنين الذي يزخر بالنساء والرجال يقصدونه من كل صوب، شرقًا وغربًا، من الجبال المرتفعة، ومن وديان تهامة، وتلك القبعة التي ترتديها التهامية بائعة السمن والعسل، هذه القبعة أشبه ما تكون بحقيبة يد نسائية تضم فيما تضم المكحلة، والمورود، والمرآة الصغيرة، والقليل من أغصان الريحان، والوزاب. يوم الإثنين كان عرس القرية الأسبوعي يترقبه الجميع بلا استثناء. الوديان في القرية عالم آخر مليء بأشجار التين والأثل التي تمتد على جانبي الوديان. كانت متعتنا اليومية قطف هذه الثمرات الناضجة ومسح دمها الأبيض بأوراق التين، الوادي يمتد مئات الأمتار مليء بهذه الأشجار.كل قرية تملك «جرينًا» واسعًا لفصل الحبوب عن أغصانها، وللجرين حزنه الخاص، بكاؤه الذي لا يرى، كيف له أن يشم رائحة السنابل، وتقصف العيدان.. الجرين يرقص حزنًا، وهذه الثمار التي تلامس ظهره لن يتمكن من استنباتها مرة أخرى، فيلوذ بالصمت، ويعرف أنها رقصة الحصاد وأن جسده مسرحها.
في القرية لا يوجد حقل إلا وله اسم، ولا توجد بئر إلا ولها مسمى.. الجبال لها مسميات حتى الوديان، لم يتبق سوى الشجر الذي يحمل أسماء مناطقها وغاباتها. أنسنة الأشياء تؤكد رسوخ المكان وهيبته، وهذا الفضاء الأسطوري الذي يحكمه، ومن خلاله يؤكد العلاقة بين الإنسان والمكان.
* قاص وكاتب