جذور الأمكنة في الروح

 محمد الحرز

4/29/2015
​كان يمكن أن يكون لطفل مثلي ولد في مدينة «المحرق» بالبحرين, في الآخر من شهر مارس من عام 67م, وعاش فيها سنواته الأولى مع والدته في حارة كانت تسمى «فريج البناني» أن تمتلئ ذاكرته الطرية بتفاصيل الطفولة المبكرة، بتفاصيل المكان: أبنية طينية متعرجة تفوح منها رائحة الرطوبة والأتربة العالقة على أبوابها، حيث غالبًا ما تقود دروبها إلى البحر, نساء يدخلن المنزل ويخرجن، مبرقعات لا يظهر من وجوههن سوى أعينهن، يقضين سويعات مع والدتك وجدتك، ويتحدثن بكلام، أنت غالبًا لا تفهم منه شيئًا، بائع الخضرة الذي يطرق بابكم عند كل ظهيرة وأنت مشفوع بضحكة تسابق خالك «محمد» لأخذ أكياس الخضرة إلى داخل المطبخ. جدتك «فاطمة» وهي تعطيك نصف دينار لتجلب خبزًا من الفرن القريب مع الحليب والروب من البرادة التي تطل على رأس الشارع.

كان يمكن لمثل هذه التفاصيل في المكان ذاته أن تعلق في ذاكرة الصبي وتتفرع من شجرها أحداث وأحداث لا تنفك تغطي سماء مخيلته بأوراقها الخضراء، وتنغرس جذورها في روحه وكيانه, لولا أنه في السن السابعة من عمره وجد نفسه فجأة في مكان آخر مختلف، لا يمت إلى المكان الذي تفتحت عيناه فيه إطلاقًا.. لقد انتقل إلى مدينة الأحساء مع والدته حيث يسكن والده. لا حقًا أدرك ذلك الصبي أن أهل والدته انتقلوا من الأحساء إلى البحرين، جاء إليها جده «أحمد» من أمه، طلبًا للرزق والمعيشة منذ الأربعينيات من القرن المنصرم.
لقد اعتادت والدته أن تظل في منزل والدها حوالي الستة أشهر أو أكثر. وعندما وضعت الصبي في منزل والدها ظلت مستقرة لأكثر من سنتين أو ثلاث لا تبارحه، وكان والده يأتيهم بين حين وآخر, يقضي أيامًا عدة ثم يعود من حيث أتى. لذلك حين وجد نفسه فجأة في مكان آخر, في بيت جده لأبيه «حسن» شعر بشيء من الغربة يتسلل إلى خلايا جسده، أغفل كثيرًا من مصافحة الأشخاص: عمه الوحيد «عبدالله» وأبناء عمومته الذين في مثل سنه أو يكبرونه قليلاً. كان والده يعدّه لدخول المدرسة لكنه كان مشغولاً باكتشاف المكان الذي شعر كأنه قذف فيه قذفًا، أو كأنه سقط في بئر عميقة ومهجورة. في البداية حين كان يمشي مع والده في السوق، أو عندما كان يذهب مع والدته إلى بيوت الجيران أو بيوت أقاربه من العائلة كان يتناهى إلى سمعه كلمات تتردد على أفواه النساء أو المارة من الرجال، كلمات من قبيل: سكة الكوت، دروازة الخميس، الوطاة، شارع البلدية، براحة الخيل.. إلخ، حيث في مثل سنه لم يكن يدرك معناها. لكن ما شعر به وأحسه ورآه في الوقت نفسه هو المنزل الكبير لجده الذي كان يضم أسرتين: أسرة والده وأسرة عمه، فضلاً عن جده الذي عنده زوجتان ولم ينجب من إحداهن سوى والده وعمه. البيت كان عبارة عن طابقين تتوزع غرفه بين جهتين يفصل ما بينهما حوش كبير كان يسمى «الحوي» باللهجة الحساوية. وهذا الحوش ينتهي بممر طويل عادة ما يكون مسقوفًا بالخشب حيث الباب الخارجي للمنزل. كان موقع البيت عند مدخل الكوت من الجهة المقابلة لشارع البلدية حيث بداية السوق وضوضاء المارة هو ما ساعده في بداية الأمر على التغلب على الشعور بالغربة. لكنه، أيضًا، من جهة ثانية لم يساعده ذلك على التغلغل للدخول أو اكتشاف حارة الكوت بتفاصيل بيوتها أو طرقها أو مختلف ساكنيها, تأخر ذلك قليلاً فقد كان يجلس كل يوم على مصطبة باب منزلهم يتأمل تلك الوجوه العابرة، يتأمل ملامحهم، ضجيج أصواتهم، ويحاول أن يقارن بينها وبين تلك الوجوه التي كان قد رآها حين كان يعيش في مدينة المحرق.
حين توسعت خطاه وبدأ يرتاد المدرسة وتعرف على طرق حارة الكوت وخبر دروبها المتعرجة، وأصبح له رفاق يلعب معهم ويندمج في أوساطهم هبت ريح عاتية على ذاكرته واقتلعت تلك الأشجار التي نمت وترعرعت في مكانه الأول، هناك في المحرق، ولم يبق شيء منها حتى الجذور غارت في الروح. لاحقًا في سني عمره الناضجة كان يفسر هذا الاقتلاع بأسباب أخرى أهمها بالنسبة له ذكرى البحر التي تلاحقه، وتكاد تهيمن على أمكنة ذاكرته، فهو ما زال يتذكر تمامًا بالتفاصيل السفر من ميناء المنامة إلى ميناء الخبر والعكس عبر مركب يستغرق أكثر من ثلاث ساعات في عرض البحر. كانت مخيلة الطفل طرية حيث إن هذا العالم الغريب عليه أخذ بتلابيب كيانه كله، واستحوذ على حواسه ومشاعره.. وهذا تحديدًا ما جعل فترة إقامته بالبحرين، فترة غائمة وكأن الأمكنة فيها مجرد شبح عبر فجأة عليه ورحل.
* شاعر وناقد سعودي