الخبر.. حيث الألفة

 بدر‭ ‬السماري

5/29/2015
​في شمال مدينة الخبر، وقرب الأراضي الخالية آنذاك بجانب حي البندرية، كان أبناء المنطقة يستمتعون في معظم أيام الأسبوع بركل الكرة عصرًا حتى مغيب الشمس. لم تكن هناك ملاعب حديثة أو مسطحات خضراء كما قد يتخيل بعضنا، كانت أرضًا رملية ممهدة وشبه ناعمة، وثمة من تطوع ذات يوم (لا أدري من يكون) لتقسيمها لملاعب عدة، ووضع عوارض مرمى خشبية وشبكات متناثرة هنا وهناك، وكان ذلك كافيًا لرفع معنويات الشبّان، وهو ما جعل عددًا لا بأس به ممن تصدروا أفضلية اللاعبين في آسيا خرجوا من تلك الملاعب، ملاعب البندرية. بالطبع هذه لم تكن الذكرى الجميلة الوحيدة التي أحملها من أيام الصبا في مدن الشرقية، إذ إن ذكرياتي متناثرة بين نشأتي في أبقيق وبعد ذلك الظهران، ومن ثم رأس تنورة حيث كانت أول وظيفة لي بعد تخرجي، لكني وجدت أن جزءًا كبيرًا من لحظاتي المبهجة كانت في الخبر، ليس فقط حيث كنت أركل الكرة عصرًا في ملاعب البندرية بصحبة شبّان المدينة، كانت هناك، أيضًا، سهرات السمر على كورنيش الخبر مع الأصدقاء، أو على شاطئ منتصف القمر، وكذلك حيث الحكايات التي تدور في المقاهي الفريدة التي سبقت الخبر بها كل المدن لتقديم المتعة لزوارها بخلاف المقاهي الشعبية. وحين تذوقنا في الخبر البيتزا الإيطالية، وشطائر الهامبرجر، ورقائق الذرة، والأطباق المكسيكية.. وجبات وموائد عرفناها قبل أن نسافر لتلك الأماكن، وحيث سباق العلامات التجارية الكبرى لتعليق رموز النيون فوق المحلات التي تنوعت بضائعها في شارعي الملك خالد والملك فهد، كل ذلك اجتمع في الخبر القديمة مع تنوع عجيب وفريد من نوعه للمتسوقين.. تنوع عالمي، وتعدد ثقافات للمتبضعين في تلك الشوارع، وصولاً لملعب الراكة حين يحتضن مباريات المنتخب.. كل ذلك التناغم «الكوزموبوليتناني» ما كان له أن يحدث لو لم تشرح الخبر صدور مرتاديها بالألفة والبهجة والألق الدائم.
لم تكبر الخبر كثيرًا، إذ إن مدينتي الدمام والظهران لا يسمحان لها بالتمدد الجغرافي شمالاً وغربًا، كما أن البحر يحتضن الخبر من الشرق والجنوب، لكن رحابتها للزوار ما زالت، روح الخبر لم تتغير كثيرًا. حين أزور مكان ملاعب الكرة في البندرية فلن أجدها الآن بالطبع، إذ ارتفعت فوق تلك الأراضي الخلاء أبراجٌ متناثرة، وأحيانًا أكون بصحبة أفراد العائلة في أحد هذه الأبراج لتناول وجبة من أحد مطاعمها. لم يبق من تلك الملاعب سوى تعداد أسماء اللاعبين الذين تخرجوا في هذه الملاعب، نشير نحو المكان ونتذكر قائمة طويلة من لاعبي الكرة المحترفين. لم تكبر الخبر كثيرًا كما قلت، لكن ألفة الخبر باقية، وألقها دائم مستدام حتى هذه الساعة، ألفة كورنيش الخبر باقية ترفرف حول المشاة على رصيف الكورنيش، وكذلك رحابة شوارع وسط الخبر التجارية رغم ضيق المساحة، ومحلات الفول بجانب حراج الخبر والتي، حتى هذا اليوم، يقف أمامها زوار المحل طوابير للانتظار.. الألفة باقية، إنها الشيء الذي يعرفه كل من سكن أو زار مدينة الخبر.
لو قدر لي عمل استبيان لعينة عشوائية عن هذه المدينة الساحلية الصغيرة، لسألت المشاركين عن أجمل ميزة تتميز بها الخبر عن غيرها؟ بإمكاني التخمين بسهولة بالإجابة الأكثر تكرارًا، باستطاعتي الجزم بأن 90 % من الإجابات سوف تكون: «الألفة».. الألفة هي أهم ما يشعر به سكان مدينة الخبر وزوارها.
نعم، لقد تجوهرت مدينة الخبر عبر الزمن، كانت لؤلؤة وأصبحت دانة متكاملة الجمال، اتسعت رقعتها الجغرافية، وزاد عدد المجمعات التجارية والسكنية فيها، وارتفع الكثير من الأبراج، وأعيد تصميم شوارعها بغرض التوسعة وإضافة الكباري، وتجمل كورنيشها أكثر، وصارت مزار العديد من سكان المملكة.. والسبب في رأيي الشخصي ليس بسبب كل ما تم ذكره، بل لأن زوارها أعادوا الكرَّة لزيارتها مراتٍ ومرات، مدفوعين ليس فقط بالتنوع المحبب للنفوس وصبغة الجمال والبساطة في هذه المدينة، بل بالألفة والرحابة التي شعروا بها حين زيارتها، وارتباطهم الوثيق حتى بالأماكن والأسماء التي ما زالت تسكن الذاكرة، شارع البيبسي، تقاطع دسكفري، شارع السويكت، مركز الشعلة...
الخبر تتجوهر يومًا بعد يومًا، تتحول لأيقونة من الجمال على ساحل المملكة. يقول بعضهم إن أكثر ما يجملها هو البحر، وآخرون يتحدثون عن بساطة الجمال فيها، وثمة من يهيم بأجوائها في الشتاء.. لكني أرى أن الألفة هي سر المدينة. ليس باستطاعة أحد تحديد منبع هذه الألفة، لكن شيئًا ما يشعر به الزائر لمدينة الخبر، شيئًا لا على التحديد، شيئًا يملأ روحه بمشاعر العرفان لهذه المدينة الحبيبة، ليس فقط في أجمل أجوائها في الربيع، بل حين تمتلئ أجواؤها بالرطوبة في أسابيع الصيف، شيء يجعل من مدينة الخبر مكانًا مفضلاً للألفة، أظن أن الألفة هي من اختارت مدينة الخبر لتعيش فيها.
* روائي‭ ‬سعودي