أم‭ ‬سْليم مفصل التحولات الاجتماعية في الرياض

 عبدالرحمن‭ ‬الشقير‭

6/29/2015
​في قلب مدينة الرياض حي قديم شهير اسمه أم سْليم، يقال إنه نسبةً لشجر السَّلَم، ولكنه اكتسب شهرته من شهرة أحد القصور الطينية المعدة للإيجار بالليلة لإقامة مناسبات الزواج غالبًا، وتعود ملكيته لامرأة تكنى بأم سليم. ارتبط الحي بذاكرة المجتمع المحلي بثلاث سمات رئيسة هي: دحديرة أم سليم، وذلك لوقوع الحي في نزلة طبوغرافية تشبه النزلات التي في حارات مكة وبعض مدن جنوب المملكة، وبنيت المنازل على جنباتها، وتؤدي جهتها الغربية إلى مستشفى الشميسي الشهير، وثاني سماتها دوار أم سليم، وكان له شهرة نظرًا لقلة الدوارات في الرياض، ولأنه مفترق شوارع وحارات مجاورة، وتحيط به دكاكين للبيع بالجملة والمفرق. وثالث السمات هو حجم التغير الاجتماعي والسكاني بسبب سكناه من قبل مئات الأسر التي نزحت من قراها في نجد، وهذي السمة هي أهم السمات.
شهد حي أم سليم حراكًا اجتماعيًا واقتصاديًا سريعًا. فمع انفتاح مدينة الرياض بعد هدم سورها، معلنة بذلك دخول عصر الحداثة ونهاية العصر التقليدي، كان حي أم سليم يقوم بدور المرحلة الانتقالية، إذ شهد تضخمًا في استقبال الأسر القادمة من الأرياف للمدينة ويسكنون مؤقتًا لسنوات عدة، ثم يغادرونها للسكن في أحياء أخرى داخل الرياض ليأتي غيرهم، حتى إنه يمكن التخمين بأن هوية حي أم سليم الاجتماعية والعمرانية بين عامي (١٩٣٠-١٩٨٠) تتغير كل عشر سنوات. وكان أهل القرى والمدن يأتون بطبيعتهم المحافظة والمتدينة، ولكنها كانت مطعمة بأشخاص تعرضوا لتجربة العمل في أرامكو وسكنوا بالحي. وأتذكر أنها سكنها عشرات الأسر التي قدمت من القويعية، وكان من بينهم والدي عندما عاد مع مجموعة من أقاربه من العمل في أرامكو بالظهران، وحدثني بأنه أول من أدخل التلفاز في بيته من بين جماعته بأم سليم في بداية البث عام ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٦م، وكان يعرفه في أرامكو، فقاطعه جماعته أشهرًا ثم صالحوه بعد أن شاع. وقد تجولت فيه مع والدي قبل وفاته، رحمه الله، فأراني مقبرة أم سليم القديمة، وهي مسورة بسور مجدد الآن، وذكر أن لي أخوين مدفونين فيها، وقد انتقل من أم سليم قبل ولادتي. وتمثل المقبرة جزءًا مهمًا من هوية الحي الدينية. ففي كل حي قديم بالرياض تقريبًا توجد مقبرة، ومسجد صغير، ومسجد جامع. ثم ألغيت مقابر الأحياء بعد تخطيط مقابر كبيرة للرياض. كما ارتفع معدل بناء البيوت في حي أم سليم أو شرائها من قبل الطبقات الوسطى والعليا، أو استئجارها من الذين لا يستطيعون الشراء، وكانوا يقيمون سنوات معدودة، ثم يبيعونها وينتقلون لأحياء أخرى.
ويعد حي أم سليم شاهد عيان على الموجات العمرانية أيضًا بدءًا من البيوت الطينية التي أساسها من حجارة مكشوفة، ثم بداية عصر الحداثة العمرانية، إن صح التعبير، من خلال تجصيص البيوت الطينية وإضافة شرفات للأبواب (تسمى برنيطة)، ثم تركيب مكيفات صحراوية في فتحات النوافذ (الدرايش) مطلة على الشوارع الضيقة.
وفي مجال الخدمات الأساسية توجد قليب في أرض فضاء يروي منها أهل الحي الماء. وظاهرة القلبان (الآبار) في حارات الرياض القديمة من أهم الظواهر العمرانية التي اندثرت في زمن مبكر، ولذلك أهملت دراستها. وأنا أدركت في طفولتي آثار قليب مهجورة في حارة القرينين قبل أن تدفن تمامًا. وقد دفنت القلبان من الحارات بعد هجر الناس لها بسبب دخول خدمة الري الحكومي، ودخلت الكهرباء عبر شبكة من الأسلاك المثبتة في أعلى المنازل المتلاصقة، ثم دخول الهاتف الأرضي، ثم سفلتة الشوارع، ودخل الحي بعدها في موجة التحديث الكبرى المعروفة بالطفرة. وثمنت الدولة منازل كثيرة وأزالتها بهدف توسعة الشوارع الضيقة لتتسع لمرور السيارات، ولدمج الأحياء بالشوارع الرئيسة.
إذًا، لقد كان حي أم سليم مسرحًا لتصارع الأفكار، ومناخًا للتحديث ومقاومة التحديث، وفي كل مرة تنتصر الحداثة، ينعكس على هوية الحي، وعلى إعادة ترتيب القيم الاجتماعية والاقتصادية.
* كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬