الحوش وأهله

 حسين علي حسين

7/29/2015
​​​في الماضي القريب كانت أحياء المدينة المنورة موزعة إلى أحواش عدة، وكان المدخل إلى الحوش نصف دائري تحته باب ضخم من الخشب المدعم من الخلف والأمام بقطع حديدية سميكة، كان يغلق بعد صلاة العشاء مباشرة. ومن ضمن مهام «العسس» الليلية في تلك الأيام تفقد إغلاق جميع الأبواب المؤدية إلى الأحواش، لأن عدم إغلاقها يعطي الفرصة للصوص ليعيثوا فسادًا في أي بيت يختارونه. الحوش من الداخل حلقة دائرية تصطف فيها البيوت الطينية، وأمام كل بيت صندقة من الخشب أو الصفيح للأغنام التي يمتلكها أصحاب البيت للاستفادة من لبنها وحليبها الذي كان وجبة رئيسة صباحًا ومساء مع الفطيرة التي تعدها ربات البيوت، وهي شرائح دائرية رقيقة تشبه الرقاق أو القرصان بعد أن يضاف إليها قليل من السكر والبهار. لم تكن مساحة أي بيت من بيوت الحوش، آنذاك، تزيد على 50 مترًا، وهو يتكون عادة من دورين وغرفة سطوح لتخزين المفروشات التي تستخدم في الصيف عندما ينتقل أفراد الأسرة للنوم على السطح، وحين تشتد الحرارة يرش السطح بالماء، وحالما يجف توضع الفُرش لتكون باردة عندما يحين وقت النوم، لكن المساء في المدينة، لشدة حرارته، يجعل الأسرة تعمد أحيانًا لبخ الماء على المخادع !​
تكتمل الحلقة الدائرية للحوش بوجود البيوت وبوجود حمامين، أحدهما للنساء والآخر للرجال، وبوجود قصبة الماء المعقودة بالحجارة، إضافة إلى مساحة كبيرة يطلق عليها «الساحة»، يستخدمها أهالي الحوش لإقامة الأعراس وحفلات الختان والعزاء، وهي مساحة للعبة المزمار والزير، بل إن كل بيت تطل واجهته وشبابيكه على الساحة. في ذلك الزمن كانت ربة المنزل تتولى مع غبشة الصبح كنس مقدمة البيت ورشها بالماء، لأن هذه المقدمة هي المكان المفضل للزيارات النسائية والرجالية، وربما جلس أهالي الحوش لساعات أمام منازلهم من بعد المغرب حتى يحين وقت النوم، لا سيما في فصل الصيف، إذ يستحيل على الأسرة الجلوس في الداخل. كانت جلسات النساء غالبًا بعد صلاة العصر وحتى الغروب، والرجال لهم الوقت المتبقي. أما فيما يخص المناسبات فكان الرجال يجدون في الحوش مساحة لإقامة أفراحهم، بينما يخصص للنساء مكان بعيد بعض الشيء، بعد وضع رواق دائري يسمح للهواء بالمرور. أما لإنارة لياليهم فكانوا يستعينون بالأتاريك التي يجلب بعضها من بيوت الأسر الميسورة في الحارة، وذلك لتعلق قبل الغروب، ثم تزال بعد صلاة الفجر مباشرة من قبل عامل يطوف على الأحواش، ويعلق العديد من الأتاريك المضاءة على حامل يضعه فوق كتفيه، مثل حامل زفة الماء مع عصاه للسحب والتعليق!
لعل الغريب في الأمر أن العديد من الأحواش الموجودة في المدينة كانت وقفًا لبعض المشايخ والأغوات الذين يرسلون وكلاءهم لتسلم الإيجارات، بدءًا من شهر المحرم، وكانت الإيجارات زهيدة، لا تزيد في الثمانينيات الهجرية على المئة ريال سنويًا، وحتى هذا المبلغ كان العديد من السكان يعانون كثيرًا حتى يتمكنوا من توفيره، وكان نظار الوقف في غاية الرحمة مع هؤلاء السكان، فمندوب الناظر يمر على البيت، وحين يطرق الباب يسأل: هل الإيجار جاهز؟ وعندما يأتيه الرد بالاعتذار يذهب وربما يعود أو لا يعود!
العديد من أصحاب هذه البيوت يعمدون حالما يهل شهر ذي القعدة إلى «تشوين» ما لا يحتاجون إليه من الفرش والملابس في الطيرمة (غرفة السطوح) استعدادًا لاستقبال الحملدارات، وهم قادة حملات الحج الذين يطرقون الأبواب في مثل ذلك الوقت ليقضوا مدة قد تزيد على الشهر في المدينة، يرحلون بعدها إلى مكة لأداء فريضة الحج. أما الذين يأتون بعد هذا الوقت فإنهم يأتون بعد انتهاء المناسك لقضاء بعض الوقت في المدينة ثم يرحلون إلى بلدانهم، إما عن طريق البر وإما عن طريق البحر. كان أصحاب المنازل يحصلون من أولئك الحجاج على المبالغ التي يتمكنون بوساطتها من سداد أجور منازلهم والاحتفاظ بما تبقى. الأحواش التي كانت في المدينة كثيرة، لكني أذكر بعضها: «النورة، السد، عانقني، الحبس، الإجاوزة، التاجوري، البربورية، فواز، بني حسين، الشريف، دولات، أبو طافش، والفقيه» ، علمًا بأن جميع الأحواش اندثرت الآن أو في طريقها إلى الاندثار تمامًا، وقد استعيض عنها بالأحياء الجديدة أو الموغلة في القدم مثل: سلطانة، والعوالي، والأزهري، والبشرية، والدخل المحدود، والهدا وغيرها.