الصالحية.. وهج تبكي فيه الخطى!

 حمد القاضي

8/29/2015
​هذه السطور المضمخة بالحنين عن ذلك الحي الذي سكنته سنين عددًا عند قدومي إلى مدينة الرياض. كان حي الصالحية، الذي يقع شرق البطحاء على شارع طارق بن زياد حتى يصل إلى بداية طريق الخرج القديم، مليء بالوهج بدءًا من اسمه وحتى ساكنيه. ويبدو أن لكثير من الناس في عالمنا العربي «صالحية»، فالشاعر الراحل نزار قباني كتب عن حي الصالحية بدمشق، وأنا هنا أتحدث عن صالحية الرياض التي عشت فيها سنوات من حياتي لا أمتع ولا أجمل. الصالحية.. ذلك الحي الذي كلما مررت به تبكي الخطى مني وترتعد الدموع – كما قال الشاعر كامل الشناوي.
في مقتبل عمري الدراسي والوظيفي والصحفي عشتُ مع أصحاب، عطّر الله أيامهم بعبق السعادة، ولا أزال أذكرهم وإن كنت قليلاً ما ألتقيهم، حيث فرقت بيننا المدن ومواقع العمل.
أذكر، أول ما أذكر، في هذا الحي «دوار الصالحية» بشكله القديم، وكم من الساعات وقفت حوله أحدق بالسيارات والمارة وأنتظر التاكسي الأصفر اللون ليحملني إلى المشوار الذي أريد الذهاب إليه. وأن أنسى فلا أنسى في ذلك الحي ذلك البيت الحجري البسيط الذي يقع على مرتفع، وقد التصقت المنازل به من كل جهة دون أفنية أو ارتدادات، لكأن التصاق المنازل، آنذاك، ببعضها يجسد تلاصق القلوب ويشي بدفء المشاعر بين أصحابها، بعكس الآن حيث تباعدت البيوت وتفرقت، ولعل القلوب لا تكون كذلك.
«وكم لك يا منازل في القلوب منازل»..
لي في ذلك المنزل بحب الصالحية ذكريات لا يأتي على نسيانها الدهر. أتذكر تلك الجلسات البريئة التي كنا نتحلق فيها حول التلفاز، وأحيانًا حول لعبة الورقة أو نكون في أحاديث ماتعة وطرف لا سماجة فيها ولا انحدار!
هناك ذكريات هي أحلى مما كنت أظن وأجمل مما كنت أتوقع، لكن قد لا يحسن البوح بها .. ولعلها تبقى ساكنة في الوجدان خير لها من أن تظهر على شفة اللسان أو تبدو على أسنة الأقلام.
أراني لا أتحدث عن حييّ الذي سكنت فيه، ولكني تحدثت عن كل حي قديم سكن فيه الواحد منا، فهو يحن إليه، ويستعيد ذكرياته معه، ويأنس عندما يتم تذكيره به. في الحي القديم تكون بدايات الأشياء الجميلة فيه تذوق الإنسان أو رحيق نجاح.
«وأول عبق حب بريء
وأول تجربة زاهية»
هأنذا أعزف على مزمار ذلك الماضي هذا اللحن لشاعر حي صالحية الشام «نزار قباني»:
«يا زمانًا بالصالحية عذبا
أين مني الهوى وأين الفتون
الأماكن وعج لا يترمدا»
* إعلامي وكاتب سعودي