حائل.. المكان والذاكرة

 شتيوي‭ ‬الغيثي

9/29/2015
​في لوحة كاريكاتورية جادة رسم ل. ج. ف. باتيليه آلة حصاد تحصد المدينة القديمة لتستبدل بها مدينة حديثة الطراز، كتدمير حداثي للنسيج المدني القديم، بمعنى أن التطور الحديث للحياة يسري على المدن القديمة ويغيّرها. وهكذا هي حائل الحديثة، حيث مدينة اليوم تقتحم مدينة الأمس، وحيث العمران يقتحم الذاكرة، ومع ذلك بقيت هذه المدينة الحالمة تعيش بين مرحلتين: مرحلة ذات ذاكرة ووجدانية ما زالت في قلوب أبنائها وعقولهم، ومرحلة تحاول أن تكون في مصاف المدن السعودية المهمّة.
تحتضن هذه المدينة بين جنباتها المكان الذي يحمل التاريخ من جهة، والحداثة العمرانية من جهة أخرى. كما تحتضن الجغرافيا البكر، والجغرافيا التي شكلتها يد الإنسان، الأرض الطيّعة في يد أهلها، والأرض المستعصية عليهم.
في أعلى هضبة نجد تنام حائل على شرق سفح جبال أجا، ويعيش أهلها في ظلال النخيل، حافلة حكاياتهم بكثير من القصائد حولها منذ امرئ القيس، حتى آخر شاعر شعبي أو فصيح من شبابها، لذا هي «بنت الجبال وأخت القصيد» كما أطلق عليها ذلك الكاتبان الحائليان: فهد السمان وجارالله الحميد. وإذا صح لي أن أضيف على وصفهم وصفًا، فسيكون: «عشيقة النخل». فلهذه الأوصاف الثلاث: الجبل، والقصيد، والنخل وجود حقيقي على أرض الواقع الحائلي.
وبما أن حائل تنام على سفحٍ شرقيِّ لجبل أجا فكان حضور الجغرافيا والتاريخ بهاء لا يجتمع إلا لمن عرف المدينة والتاريخ. فهي الحائل التي تحيل المتجه من نجد عن التوغل في المناطق الصحراوية في شمال الجزيرة العربية، ولذلك جاء اسمها من هذا الموقع. وكان لجبل أجا جبل يجاوره اسمه جبل سلمى، وهما قصة لعاشقين في العصور القديمة اكتشف أهل الفتاة هذا العشق، فقتلوا العاشق أجا، وصلبوه في الجبل الذي سُمّي باسمه، وقتلوا المعشوقة سلمى، وصلبوها في جبلها الذي سُمّي بها، فسرت العصور بهذين المسميين لتبدأ قصة العشق في هذا المكان منذ بدء تاريخه.
ويأتي حاتم الطائي، المشهور بكرمه، ليضيف إلى هذه المنطقة حضورًا تاريخيًا يمتد إلى العصور الحديثة، وليشكل ذاكرة شعبية لأبناء المنطقة يتصرفون مع كل ضيف وفق تلك الذاكرة التي أفقرت بعض أبنائها، لكن لحضور حاتم في قلوبهم وعقولهم تجاوزوا ضنك العيش إلى كرم المعشر واليد حتى عرفوا به.
أما القصيد فمنذ امرئ القيس كان شعره يتغنى بحائل منها قوله حين ضاقت به السبل وهو الملك الجاهلي الضلّيل:
أبت أجا أن تسلم اليوم جارها فمن شاء فلينهض لها من مقاتل
تــبـــيــتُ لَــــبونـي بالـقُـريّة آمـنًا وأُســرِحها غــبـًّا بأكــنـاف حـــــائل
إلى آخر شاعر من شعرائها المحدثين: شعبيّهم وفصيحهم، حيث لا يخلو شاعر إلا وكانت حائله قصيدة يصدح بها في كل وقت تهيج مشاعره منها وعنها، بل تعدى الأمر إلى أن طلال مداح أفردها بأغنية راحت حناجر أهلها يغنونها بمناسبة، وغير مناسبة، بلحن شجي: «يا نسمة الواااادي.. يا وردة بلاااادي..حائل ربى الشادي... إلخ».
حين يأتي ذكر النخيل فإنه حديث ذو شجون، هذه التي كانت نخلة (الحلوة) أحد أهم نخيلها عاد الزمن ليغتال منها بعض جمالها، بعد أن كان «الحير» يملأ بساتين حائل القديمة، حتى إن أبناء المنطقة لا يزال يحتفظ بمزارع النخيل على أشكالها القديمة التي طالت كثيرًا لدرجة أن السائر في المدينة القديمة يراها من بعيد لطولها خلف الأسوار الطينية التي ما زال بعضها صامدًا، ويحكي بعضهم أن أمه ولدته تحت تلك النخلة، فلم يشأ أن يعبث بها أحد، فبقيت كل تلك السنوات.
حائل في وجدان أبنائها هي الأرض، والذاكرة، والتاريخ، والحلم القديم الذي ما زال يلوح من بعيد لهم، حتى وإن رحلوا عنها لتطور الحياة بعدما كانت حاضرة نجد التي يقصدها الناس منذ أن تشكلت مدينة ذات ماء ونخل وقصيد وحكايات.
* شاعر وكاتب