سيهات.. مدينة تنمو ولا تهرم

 حسن السبع

10/29/2015
​الحديث عن علاقتي بسيهات، مسقط رأسي ومهد طفولتي، شائق ومتشعب، حتى إني احترتُ كيف ومن أين أبدأ. كنت طفلاً، وكانت آنذاك قريةً حالمة تعيش طفولتها بين خضرة البساتين وزرقة مياه الخليج. كبُرتُ وكبُرتْ معي. صارت مدينة. مع ذلك، بقيت طفولتي وطفولتها ترسم في الذاكرة نقوشًا وشارات ظلَّت حيَّةً ماثلةً وكأنها رُسمت البارحة.
ما زالت الذاكرة تحتضن الزقاقَ الذي أقلَّ خُطانا، والشجرةَ التي أظلَّت ثرثرتنا، والأرصفةَ التي شهدت شجاراتنا الصبيانية، وصورةَ حارس المدرسة الأمي الذي رصد تحركاتِنا، وعدَّ علينا أنفاسَنا، وبعث بها تقاريرَ شفويةً إلى مراقب المدرسة أو مديرها، المراقب الذي فحص ياقات ثيابنا، وأظفارنا، وشعر رؤوسنا ليتأكد من نظافتنا البدنية. والمعلم الذي لقَّننا القمعَ وجدولَ (الضرب) حقيقة ومجازًا، يوم كان العقاب الجسدي بهارات المنهج الدراسي وملحه.
نعم، ما زال في الذاكرة مدرب فرقة الكشافة الذي علمنا الطاعة وقوة التحمل والانضباط، وبعض أفكار (بادن باول) الكشفية، والمعلم الآخر الذي اصطحب من كانت لديه موهبة إلى حدائق الشعر، ليقطف ياسمين العبارة، ويستنشق أريج المعنى، المعلم الذي علمنا أن نتنفَّسَ الهواء واللغة العربية.
كنت صغيرًا، وكان الرمل صديقي. كان الرمل نقيًا، لم يكن وحده نقيًا، كان الماء والهواء يشاركانه النقاء، وكان اللعب بالرمل أحد انهماكات الطفولة. بالرمل بنيتُ أربُعًا. لست جبليًا مثل قيس بن الملوح الذي تغزل بجبل التوباد، وبنى من حصاه أربُعًا. ولأني ابن بيئة ساحلية سهلية، فقد كان الرمل وخضرة الأشجار وزرقة المياه أصدقاء طفولتي.
كانت سيهات، آنذاك، مساحة خضراء وحديقة غنَّاء تحتضن أشجارَ الورد المحمدي والياسمين واللوز والليمون والعنب والتين والتوت والرمان والموز البلدي. الشجرة الوحيدة التي كان الكبار يحذروننا من أكل أوراقها هي شجرة تسمى باللهجة الدارجة (المرنَّح). وهي شجرة وارفة الأغصان زاهية الخضرة. قالوا لنا من يأكل منها يصبحْ مجنونًا! ولأننا في تلك السن نقبل بوصاية الكبار على عقولنا، فقد صدقناهم ولم نقرب تلك الشجرة. وما زال السؤال الذي يحيرني هو: ما علاقة الجنون بشجرة المرنَّح؟ وهل للتسمية علاقة بالترنح وفقدان التوازن، أم بترنح الأغصان وتمايلها إذا داعبتها نسمات الهواء؟!
أذكر أيضًا تلك النباتات التي تتوسد الرمل مثل (الحُوَّاء) الذي ينمو على حوافّ التُّرع. الواحدة (حُوَّاءة) وفي ذلك يقول الشاعر «كما تبسَّم للحُوَّاءةِ الجملُ». أي أن على الجمل أن يكشّرَ عن أسنانه لكي يستطيع اقتلاعها، وذلك لالتصاق تلك النبتة بالأرض. كنا نجمع الحُوّاء وننفض عنه الأتربة ثم نستمتع بمذاقه الماتع. ويأتي في مرتبة أقل نبات (القُلُّمان). هذه تسميته المحلية، ويسمى بالفصحى (القُلاَّم). وهو النبات الذي قال فيه الشاعر: «أَتوْني بِقُلاَّمٍ فَقالوا: تَعَشّهُ! وهل يأْكُلُ القُلاَّمَ إلا الأَباعِرُ؟»، ولأني من بيئة لا تعتمد على الأباعر، بل على الحمير، فقد كنتُ أشارك الحميرَ والأغنامَ في أكل القُلاَّم.
تلك بعض النباتات الهامشية المهملة التي لا يزعج التقاطُها الفلاح الذي يخاف على مزرعته من غارات المتطفلين صغارًا كانوا أو كبارًا. الأيام الوحيدة التي لا يخشى الفلاح على مزرعته أو بستانه من عبث العابثين فيأذن لنا بالهجوم على إمبراطوريته الخضراء هي حين تهاجم مزرعتَه أسرابُ الجراد. في تلك الأيام، فقط، يسمح لنا المزارعون بدخول المزارع كوسيلة من وسائل المكافحة. كنا نصطاد الجراد، ثم نذهب بصيدنا الوفير إلى بيوتنا، فتصنع لنا الأمهات من تلك الكائنات النظيفة البريئة وجبة لذيذة.
سُئِلتُ مرة عما إذا كانت سيهات حاضرة في كتاباتي فأحلت السائل إلى نص نثري عن علاقتي بها، وفيه أقول: «كلما طرقتُ بوّابتها داهمني الانتظار.. فألوذ بأرصفة أخرى، يأخذني إسفلتها إلى وعد آخر، لكنني سرعان ما أستيقظ لأجد نفسي معلقًا على بوابة الانتظار.. حاملاً أحلامي المؤجلة.. وسين التسويف.. أول حرف من اسم هذه المدينة». هل نَأَت تلك القرية الصغيرة الحالمة عني بعيدًا؟ لا أظن. صحيح أنها تحولت إلى مدينة كبيرة فيها كل سمات المدينة العصرية، إلا أنها بقيت بالنسبة لي تلك القرية الطفلة. وقد عبَّرت عن هذا المعنى في النص التالي:
مدينةٌ أم زورقٌ حالمُ / بِضفَّةٍ جمالُها طلسمُ / من أجلها صاغ الهوى لحنَهُ / فهي لإلهاماته منجمُ / تعانق الأزرقَ مهما نأى/ توسدتْ شطآنَه تلثِمُ / تنسج بالأخضر زنَّارَها / فاتنةٌ طلْعَتُها بَلْسمُ/ فهي نبيذي عندما أنتشي/ وهي خيالي حينما أحلمُ/ أذوب في سيهات يا صاحبي/ في غادةٍ تنمو ولا تهرم».
* كاتب وشاعر سعودي