الباب المصري

 حسين علي حسين

11/29/2015
​هو واحد من عدة أبواب كانت تحيط بالمدينة النبوية قديمًا منها (باب البقيع، وباب الجمعة، وباب الشامي، وباب الكومة، وباب العنبري)، وهذا الباب يدخله القادم من باب العنبرية وباب الشامي. الباب الأول للقادم من مكة وينبع وجدة وما حولها من المدن الصغيرة والقرى والهجر إلى مدخل المدينة، حيث سكة حديد الحجاز، والتكية المصرية. والباب الثاني للقادم برًا من الشام وما بعدها وقبلها من الدول والقرى مثل العراق ولبنان وفلسطين والأردن وتركيا وغيرها من المدن والقرى مثل مدائن صالح وخيبر وتبوك. والباب المصري أو باب مصر، يقع في الجهة الغربية من المسجد النبوي، وأمام الباب مباشرة ميدان صغير لكننا كنا نراه كبيرًا، على ضفتيه محال تباع فيها أصناف متعددة من البضائع منها الحبوب والأجبان مع بعض المحال التي تبيع السمن والأقط، وفي نهاية الميدان مباشرة يقع أمام الخارج من الباب المصري مسجد الغمامة. ومنطقة المناخة أو المناخ وفيها ترتاح الجمال وتنزل حمولتها من الحجاج ومن أبناء البادية.​
من أين استمد الباب المصري أهميته؟
استمدها من عدة جوانب أولها وأهمها كونه المدخل الرئيس إلى المسجد النبوي الشريف، فالقادم إلى المدينة لا يدخل غالبًا للزيارة إلا عبر هذا الباب، فهو من أقصر الطرق وأيسرها إليه، إضافة إلى ذلك فإن ميدان الباب المصري يعد مكانًا لتسويق ما يأتي به زائر المدينة من المؤن والملابس والمفروشات والحلي والأواني، فقد اعتاد القادمون للزيارة جلب كميات من إنتاج بلدانهم لبيعها في المدينة والاستفادة من قيمتها في تغطية تكاليف رحلتهم، لذلك ستجد في هذا الميدان كل حاج يعرض ما عرفت به بلاده من منتجات، ولعل من أبرزها ما كان يعرض من الحبوب والأواني النحاسية والفاكهة المجففة والسجاد.
أما الأهمية الأخرى لهذا الميدان فقد استمدها من كونه المكان الوحيد في المدينة الذي يشعر فيه الناس ببهجة ليالي رمضان، ففي هذه الأيام تمد الطاولات و«كلبات» الإنارة (الأتاريك) حيث يكثر في ليالي رمضان باعة البليلة والترمس والكنافة والبقلاوة. وفي العشر الأواخر يكثر باعة الحلويات ومرشات الورد والطاولات، وغير بعيد منهم يمد باعة الأجبان طاولاتهم لعرض بضائعهم التي ستكون زادًا لأهل المدينة في إجازة العيد، حيث تقفل جميع المحال لعدة أيام، أما قبل ليلة النصف من شعبان فيكثر باعة المكسرات والمشبك والفشار وطبطاط الجنة والحلاوة الحمصية. وفي الميدان نفسه كانت تنفذ بعد صلاة الجمعة أحكام الجلد والإعدام التي تصدر بحق المجرمين ليشهدها المصلون بالمسجد النبوي، وفيه أيضًا مكان كبير مخصص للنساء البائعات، حيث يعرضن من الصباح وحتى الغروب بضائعهن من البيض والدجاج والمكانس والمهفات المصنوعة من الخوص، إضافة إلى أن من هؤلاء النساء من تقوم بأعمال الطبابة الشعبية وأبرزها الكي.
إن الباب المصري على جانبيه أشبه بالبرجين وفوق العتبة العليا للباب كتبت الآية التالية }إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم{ وهي تشير إلى من بُني في عهده السور وهو السلطان سليمان القانوني، ويقال إن سمك سور المدينة الذي يمثل باب المصري أحد أبوابه، كان ست أذرع وارتفاعه 20 ذراعًا، وأمام الباب مباشرة كانت هناك بقالة ومحال للصرافة، وفي مدخله محال للأحذية والأزياء التقليدية. وقد أدت توسعة المسجد النبوي الشريف (1844 – 1856) ومد سكة حديد الحجاز (1908 – 1914) إلى إزالة بعض أبواب المدينة، حتى انتهت هذه الأبواب تمامًا بإزالة الباب المصري إثر الحريق الكبير الذي شب في منطقة «الشونة» المكتظة بالناس والمنازل والمحال التجارية عام 1397هـ، وقد أضيفت هذه المنطقة بالكامل إلى مساحة المسجد النبوي في التوسعة الأخيرة (توسعة خادم الحرمين الشريفين) وهكذا اختفى الباب المصري، لكن ذكرياته وملامحه ستظل تتحرك في وقائع تلك المرحلة وأحداثها ما ظل كتاب التاريخ مفتوحًا يروي أحداث الزمان.
* أديب وقاص سعودي