بدنة.. عاصمة البياض

 أسامة سليمان الفليّح

1/29/2016
لم يعتقد في يوم من الأيام أن بدنة ذات المحطة الصغيرة التي يعمل بها فريق من المهندسين الأجانب والعمال البسطاء ستصبح عاصمة للشمال. كانت تلك المحطة من أهم محطات الضخ في خمسينيات القرن الماضي، وقد أنشئت لترتبط بمشروع التابلاين، ضرع الصحراء الأسود، الذي أنعشها وأحياها من جديد بعد سنوات عجاف. يمر بها البدو الرحل بأصواتهم الغليظة ونجائبهم الهزيلة التي أنهكها الترحال، يحثون مطاياهم ابتعادًا عن هذه الحياة القاسية.
كانت محطة بدنة تقع بالقرب من وادي بدنة الذي يلتقي مع وادي عرعر في شمال شرق المدينة مثل عاشقين لم تفرقهما السنون منذ بدء الخليقة، ويتجدد هذا العشق مع كل غيمة ومع كل سحابة مرتحلة كرحيل وضح الإبل ومجاهيمها، أو كسرب نوارس حزينة جاءت من الخليج العربي.
لم تعد بدنة مجرد محطة، ولم تعد عرعر مجرد واد ممتد إلى أرض السواد فقط، بل نمت عرعر وأصبحت من أروع مدن الشمال في جميع المناخات الجوية، قال فيها الشاعر:

تدنو عرعر أكثر وأكثر
يقترب الضوء المبهر
تعدو الإبل الظمأى
نحو مناهلها الأولى
يجتاحك فرح أخضر
ها هي عرعر
ها هي عرعر

من عجائب هذه المدينة أنه عندما تتلبد بالغيوم وتزخ الأمطار شتاءً تصبح مثل جزيرة في وسط البحر بسبب كثرة الأودية والشعاب المحيطة بها من شمالها وشرقها وغربها، ثم تبقى تلوّح للريح بشجيراتها الخضراء التي تحكي لنا تاريخ هذه المدينة.
يحيط بمدينة عرعر كثير من الأودية ذات الشهرة التاريخية، فهي ملهمة الشعراء في العصور القديمة، وقد تغنى بها كثير من الشعراء، ومن أمثلة هذه الأودية: وادي الخرّ، وأبو القور، والهلالي، وشفايا عرعر، والمعتدل، وأحامر، والمرا، والشاظي، فكل هذه الأودية كانت ملهمة للشعراء والمتنزهين.. يقول الشاعر العربي الأخطل التغلبي:

فما زال يسقي بطنَ خبتٍ وعرْعرِ
          ​وأرضهما حتى اطمأنَّ جسيمُها
وعممها بالماء حتى تواضعتْ
          رؤوس المتان سهلها وحزومُها

وهنا أيضًا يقول الملك الضليل امرؤ القيس بن حجر الكندي:

سما لكَ شوقٌ بعدما كان أقصر
          ​وحلتْ سليمى بطن قو فعرعرا

هذه هي عروس الشمال، وعاصمة البياض، وبوابة الشمال، التي تطل على العراق، والشام، لقد أصبحت فيما بعد من أهم محطات المسافرين من دول مجلس التعاون إلى الأردن، وسوريا، والعراق ، وأيضًا نقطة مهمة للحجاج من هذه البلدان. ولن ننسى فضل أمير الشعر والشعراء، الأمير محمد الأحمد السديري، رحمه الله، الذي أسسها في عام 1950 وهو من افتتح أول مشاريعها، ثم تلاه في 1956 الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود، رحمه الله، وكان فارسًا، شهمًا، كريمًا، ومحبوبًا لدى جميع الناس. شهدت عرعر في أيامه نهضة عمرانية متسارعة، ولم تتوقف حتى اليوم على يد أميرها الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود، حفظه الله، ويبقى القول الأخير حفظ الله عرعر وأهلها من كل مكروه.
* كاتب وشاعر سعودي