المقاهي القديمة

 عبدالرحمن الشقير

2/29/2016
​كانت المقاهي في السعودية قديمًا تعد أحد المتنفسات السياحية للشباب، حيث يلتقون فيها لتبادل الأخبار والنقاشات الأدبية والاجتماعية، وبعضها تعد مكانًا مناسبًا ليرتاح فيه أصحاب سيارات الأجرة الذين ينقلون الناس بين المدن. وقد اشتهرت المقاهي «القهاوي» في الحجاز أولاً، ورصد الرحالة والدبلوماسيون مقاهي جدة ومكة بدقة، وقد أسهمت العادات والتقاليد في تأخير انتشارها في الرياض والحد منه نظرًا للصورة الذهنية السلبية والمسبقة عنها، كما هو الحال في باقي المدن العربية، ويبدو أنها انتقلت للرياض وفق النموذج الحجازي.
من أشهر «القهاوي» في الرياض في الثمانينيات الهجرية، كما أخبرني ممن عاصروها، «قهوة العويّد»، وموقعها في طريق خريص على مدخل الرياض الشرقي، وهي متعددة الخدمات، إذ تقدم دلة القهوة وشاي براد وبعض الوجبات الغذائية، وتتحول في الليل إلى نزل لعابري الطريق من المسافرين لأن كراسيها طويلة ومصنوعة من الحبال المتينة وتشبه المركاز في الحجاز، وإذا تفرق الناس يؤجر الكرسي الواحد بريال ويستلمه عامل المقهى قبل النوم مقابل بطانية ووسادة وتنتهي المدة بطلوع الشمس، لأن النوم كان في الهواء إذا كان الجو لطيفًا، كما توجد مجموعة مقاه منتشرة على طريق ديراب في كيلو ستة، مكان ثلاجة الحجي بحي الشفاء، وكان مقرها آنذاك خارج الرياض جنوبًا، وقد وضعت البلدية قبلها بمسافة لوحة «نتمنى لك سفرًا سعيدًا»، كما تستخدم فنادق البطحاء، وسط البلد سطوحها كمقاه. ومن المقاهي المعروفة مقهى بالشميسي مقابل مستشفى الوﻻدة، وكان يرتاده بعض الأدباء الذين يسكنون بالمنطقة مثل عبدالله نور، وتوجد مقاه أخرى مثل «قهوة بخش» بشارع الخزان، ومقهى بدوار سميرا ميس وغيرها، وكانت تؤدي هذه المقاهي وظيفة اجتماعية كبيرة.
كانت المقاهي تضج بالزبائن وتشهد حياة ديناميكية، ما يعطي عمال المقاهي نشاطًا وحيوية، فقد كان العامل يأخذ الطلب من الزبون، وهي طلبات محدودة ومعروفة مثل «براد أبو أربع»، وبراد «أبو أربعة أسود» وهو شاي خفيف وثقيل، و«براد أبو ستة» و«براد علاقي»، وبراد «أبو عروة». أما القهوة فهي دلة نحاسية تقدم مع التمر، ثم يغني العامل بالطلب بلحن خاص ليتلقاه الطباخون ويحضرونه فورًا. وتطورت المقاهي بعد عام ٢٠٠٠ تطورًا مذهلاً ولكنها تركزت على استنساخ النمط الغربي وإقحامه في ثقافتنا وعلى حساب هويتنا من خلال جلب علامات المقاهي العالمية (فرانشايز) أو تقليدها ثقافيًا برأس مال محلي.
أعتقد أن زحف المقاهي الحديثة تفوق على المقاهي والقهوة المحلية، وبدأ يذيب تاريخها الثقافي والاجتماعي، ويمكن إعادة اكتشافها من خلال الاستثمار الاقتصادي والسياحي، وقد تنبه بعض المستثمرين مؤخرًا إلى أهمية صناعة المقاهي ذات الهوية المحلية التي تقدم دلة القهوة مع التمر والشاي في جلسات وغرف طينية، وقد نجحت في جذب جيل الشباب والمقيمين الأجانب، ما يشجع على توسيع التجربة وتعميمها على مستوى الأرياف والقرى، فضلاً عن المدن، وإعادة إنتاج روح الحياة القديمة. ويمكن تحويل هذه الآداب إلى مواسم سياحية تبهج من يشرب القهوة، مع غناء النادل بطلب الزبون، وإعادة الغناء بذات اللحن من معد القهوة لتأكيد الطلب، مثلما هو معمول به في شركات السياحة التي توجد طقوسًا غنائية مبهجة عند إعداد كوب القهوة أو ركوب المصاعد العملاقة ونحوها. فهل يتحقق هذا الحلم السياحي الذي يحفظ الهوية المحلية؟ أرجو ذلك.