القصب‭..‬ الملح‭ ‬الحلو

 عبير الفوزان

5/29/2016
​هل من السهل أن تبني جسورًا بينك وبين أرض أجدادك التي لم تزرها إلا مرتين: الأولى في الطفولة مثل حلم، والأخرى ناصعة التفاصيل كبياض الملح؟!
الرحلة إلى أماكن تنزوي في الذاكرة وتقع بين شغاف القلب تعد من أكثر الرحلات متعة، إذ تختبر فيها قوة ذاكرتك وتلامس هوى قلبك. كانت القصب هي ذلك الترحال الذي انتظرته طويلاً، لأزور فيه أماكن كنت أتذكرها، فتظهر على السطح حينًا، ثم تختفي في العمق أحيانًا أخرى، لكن عندما تختفي سرعان ما أستجلبها بالحديث مع أمي، أو أبي حول التفاصيل لعلهم يقدمون لي صورة أكثر نصاعة، فأرسم طرقات القرية في مخيلتي لتأخذني أقدامي الصغيرة إلى بيوت الأقرباء. كان الطين في زمن طفولتي هو الملهم، حيث البيوت والطرقات المتربة. كما أن القرية في ذلك الحين تلائم طفولتي.. فأهرول في طرقاتها وبين بيوتاتها مع الصغيرات ندلف من الأبواب المشرعة ونصعد السطوح ونخرج من أبواب أخرى غير تلك التي دخلنا منها. كنا نسبر القرية وأغوارها ما عدا بيتًا واحدًا كان مغلق الباب، عصيًا على الدخول، لأن أصحابه لا تلائمهم الإجازات ولا بقية الأيام للحضور.. كان البيت يقع أمام حفرة كبيرة تسمى (الجفرة)، وقريبًا من السوق التي تسمى (العبيدي).
أتذكر البيوت التي تتشابه في الطين، ولا تتشابه في التصميم.. أتذكر الطرقات المتربة.. أتذكر السوق التي لا تبيع أشياء تناسب طفولتنا أو تثير شغفنا.. ليحل علينا شغف آخر وهو اللهو الدائم، بالمضي في الطرقات واكتشاف بيوت غريبة بالنسبة لي، أو الولوج إلى المسجد الصغير.. والمستوصف الذي تفوح منه رائحة المحاليل والمطهرات.. كل الأماكن كانت متاحة لنا حتى الرحلة البرية، كل ما عليك هو أن تخرج من أحد أبواب القرية التي تطل على البر!
القصب.. حتى وإن نأيت عنها زمنًا تستشعر ملوحتها في جلدك، أو في حديثك، حتى في ملامح وجهك.. هكذا تشعر عندما تواجه مرايا النفس، أو عيون من ينتمون لقريتك التي خرجت من عباءة القرية لتصبح «محافظة».. القصب اليوم تختلف ولا تختلف.. لا زال ملحها الأبيض ناصعًا، ولا زال طعمه مالحًا بملوحة محاصيلها الزراعية.. لم يتحول إلى سكر حتى وإن كان (بلح الحلى الأحمر) الذي تتميز به يفيض من بعض نخيلها ليكن أحلى الحلى.
القصب المحافظة الهادئة الواعدة التي تُطرق للسياحة من قبل أهلها ومن يرغب.. تفتح ذراعيها في مواسم الشتاء والربيع.. بدءًا من ملحها.. وبيوتها الطينية التي أصبح بعضها مؤهلاً للزيارة، بما فيهم ذلك البيت الذي كان موصدًا في طفولتي. في زيارتي الأخيرة للقصب شاهدت لوحة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على الطرف الأيسر للداخل إلى هذا البيت، إنه الإيذان بالدخول. كان بيت الشيخ عبدالله بن زاحم إمام المسجد النبوي وخطيبه، في الثمانينيات الهجرية.
كان البيت صغيرًا جميلاً، لا زال يحتفظ بتفاصيل أصيلة وأصلية فيه.. بدءًا من الأبواب والنوافذ وعدد السواري، كما كان السلم المؤدي للسطح لافتًا تود لو لمست بأناملك كل تفاصيل سقفه الذي يرتفع مع صعودك. أما الروشن (الغرفة العلوية) التي تقع بعد السلم مباشرة وتفتح بباب آخر على السطح فقد كانت –في أثناء زيارتنا- تنقل نسائم شهر مارس مع عبق الطين وخشب الأثل القديم.. كان السطح بديعًا، والبيت الصغير بأسره ساحرًا، وفوق كل ذلك حققت أمنيتي بالدخول إلى البيت الذي كان بابه موصدًا في طفولتي.. هذه المرة أنا من ذكَّرت والدتي بتفاصيله التي قد نسيتها.. كل ما تذكره في طفولتها أن البيت كان كبيرًا وضاعت بين حجراته!
* كاتبة سعودية