التلاوة النجدية وعمارة المساجد

 د. عبدالرحمن الشقير

6/29/2016
​في هذا المقال سأرحل متحدثًا عن جدوى فرضية علاقة حاستي الصوت والسمع بالعمارة، وبتحديد أكثر عن العلاقة الروحية بين تلاوة القرآن القديمة التي استخدمها القراء النجديون ومساجد نجد القديمة المبنية بالطين ثم المبنية بالجص، وذلك قبل أن تلتهم الحضارة التلاوة القديمة والمساجد التاريخية.
ولتأصيل الفرضية أشير إلى أن المساجد القديمة بمنطقة نجد عرفت نمطًا مميزًا من قراءة القرآن، ومن الأذان، ومن قراءة كتب الوعظ بين الأذان والإقامة، ومن قراءة التلميذ لكتب التراث أمام شيخه، وقد أدركتها في صغري في المساجد المجصصة، وهي مرحلة عمرانية حداثية جاءت بعد مرحلة العمارة الطينية، وهو يتسم بتفخيم طبقة الصوت مع تلحينه دون مد الحروف ولا تمايل بالصوت، وتتسم بعض القراءات بزيادة تفخيم الكلمة الأولى من الآية، وقد جمعت بعض المقاطع المرفوعة على يوتيوب من هذا النمط من القراءات ثم عرضتها على مختصين في المقامات ولم أجد له تصنيفًا معروفًا، وبعضهم يسميه مقام نجد، وهذا غير صحيح لأنه لا يوجد مقام بهذا الاسم، إلا أنها قراءة شبه متفق عليها ضمنيًا. ويقترح بعض الذين عرضت عليهم التلاوة والأذان والقراءة أن أقرب مقام لها هو مقام بيات، فرع محير. وعلى الرغم من وجوده في الحياة الدينية اليومية على مدى مئات السنين.
لقد بدأت تندثر التلاوة النجدية مع بروز شباب بأصوات جميلة ومدربين على قراءة القرآن والأذان وفق مقامات معروفة أو بارعين في تقليد مشاهير القراء، ومع أن صعودهم قوبل بمقاومة ورفض إلا أنهم انتصروا في الواقع، إذ كتب الشيخ بكر أبو زيد كتيبًا بعنوان «بدع القراء القديمة والمعاصرة»، ولاحظ ظاهرة صعود الشباب، وقال: «عنيت بالبحث ما اتسع انتشاره، وهو التمايل عند القراءة، وما أحدثه المعاصرون».
من أشهر القراء بالنمط النجدي إماما الحرم المكي سابقًا الشيخان محمد السبيل وعبدالله الخليفي. وكتب عبدالله سعد الدريس مقالة نشرت في صحيفة الرياض بعنوان: قراءة أهل نجد للقرآن الكريم نقل فيه من علماء نجد للبسام تراجم لعدد من القراء حسني الصوت، منهم الشيخ عبدالعزيز بن صالح بن محمد الصيرامي توفي 1345هـ إذا قرأ القرآن كأن السامع لم يسمع القرآن قبل تلاوته، وأتذكر في طفولتي بحي القرينة أن أحدًا من أسرة الصرامي كان إمامًا وخطيبًا لمسجد في طرف الحي من جهة دوار سلام، وكان الناس يحرصون على الصلاة معه لجمال صوته وتأثير خطبه، والشيخ صالح بن عقيل الراجحي يقدَّم لصلاة التراويح لإجادته وقراءته وحسن صوته وأدائه، والشيخ أحمد بن عبدالمحسن بن حمد آل أبا حسين (توفي 1330هـ) وقد وهبه الله صوتًا جميلاً في تلاوة القرآن وحسن الترتيل.
ومن تتبعي لظاهرة التلاوة النجدية التقليدية لاحظت أنها جزء من العمارة النجدية، إذا سلمنا بنظرية استخدام الحواس الخمس في العمارة والتصميم، فيمكن القول بأن القراءة النجدية ارتبطت بالمباني الطينية القديمة ولا تكاد تعرف إلا معها، بدليل أنهما تعرضتا للاندثار معًا ولم تصمدا أمام التنمية والتحديث. وتحدث إدوارد هول في كتاب «البعد الخفي»، وهو صاحب نظرية إدماج الحواس الخمس في العمارة بعد أن كان المعماريون يراعون حاسة البصر فقط، عن الإدراك الحسي للحيز: مُستقبلات عن بعد: العينان والأذنان والأنف. وجادل المعماريون بأن الخبرة المكانية ليست بصرية فقط، ولكنها متعددة الحواس، ويمكن أن أقول بناء على ذلك: كيف نتخيل مسجدًا طينيًا قديمًا دون تلاوة نجدية تملأ فضاء المكان؟