سدير.. نموذج للتناغم بين الإنسان وبيئته

 هدى الدغفق

8/29/2016
حين ترغب في أن تكتب عن مكان أو مدينة في بلادك فأنت تكتب عن قطعة من روحك، لكأنك وأنت تحاول ذلك، إنما تضع قلبك أمامك لتعيش مدى إحساسك وتكتبه في الوقت نفسه، فماذا لو كانت تلك المدينة مسقط رأس آبائك وأجدادك؟! وإذا كانت لك علاقة حميمة بذلك المكان تراكمت ذكرياتها مع الأيام منذ طفولتك تقطر بالندى إن لم تنتفض بالغيم الذي يتطلع إلى أن يروي الأرض والناس بشغف كبير.
المجمعة كانت نافذتي الأولى للشعر والإلهام.. اختزلت حواسي شكل تلك التربة الحمراء ولونها ورائحتها، وهي ذات الطبيعة الخلابة الملأى بالأشجار والوديان خصوصًا في موسم المطر، حيث تسيل جداول سدير بماء عذب، وتتكون تبعًا لذلك بعض البحيرات التي تبقى طوال موسم الشتاء ومنتصف الربيع، خصوصًا في أطراف المدن المحيطة بمحافظة المجمعة التابعة لمنطقة سدير مثل جلاجل والتويم وجوي وغيرها. وتلك المدن أشبه بمزارع كبيرة ذات نكهة زكية تفوح منها وبها رائحة القيصوم، وبعض الزهور البرية كالأقحوان والخزامى التي تجتذب بجمال مظهرها وعطرها الزوار من المدن والضواحي المحيطة بشكل كبير.
ومن الشعراء من تغنى بسدير وكرم أهلها كالشاعر إبراهيم بن جعيثن، يرحمه الله، الذي قال في منطقة سدير:
ووراط يحيا به حلال مهازيل
حيث هو اللي ينطح السيل جاله
وإلى انحدر يضفي على العودة السيل
وتمير مجزل تملا هجاله
ووادي الفقي زين البساتين ونخيل
في القيظ يسقي صافي من زلاله
كدادهم كنه على ساحل النيل
تسمن معاويده ويكثر رياله
يرجع سدير ويكثرن المحاصيل
تلقى به التاجر ينمي حلاله
غرايس يازينها طلعة سهيل
يفرح بها اللي جايعين عياله
والعاطفة التي تربط أهل سدير بسدير ليست مفتعلة ولاهي مؤقتة وطارئة كالنزوة مثلاً، إنما هي عاطفة تنمو على مدى العمر وتزداد متانة وكأنما هي مغرقة في الوفاء والحنين والحفاوة والفخر والانتماء إلى الجذور التي تربطهم بالآباء والأجداد، وهو ما يدعونا إلى القول بأن النطف تحتضن جينات الانتماء المكاني كذلك بحيث تجيد اللهجة والعاطفة موقعها المتقدم والمخصص لتلك البقعة المكانية من الوطن.
ولعل أشد ما يلمع في ذاكرتي عن المجمعة هو تلك الأبنية الطينية الساحرة الرطبة باستمرار بلونها الطيني الذي يميل إلى الحمرة والارتواء. فها هو بيت جدي الفاتن في كل زاوية منه وركن. وها هي بيوت الجيران الذين لا يفصل بيننا وبينهم إلا باب وجسد حيث مسكنهم في القلب. بيوت تتربع على عرش الأحاسيس بدفء غامر.
في بيت جدي كانت العتمة سماء أفقية، سراجها يتأرجح بعينيّ حيث كانت العتمة الطينية التي تغازلني من فتحة المنور الخشبي، ولذلك فأنا أطيل تأملها. وأعشق رائحة الطين التي تفوح بأريج الفطرة والأصالة التي لا تكتفي بتلك الروح السعودية الأصيلة. كيف وأنا أستمع صوت الأذان الذي يصدح من المآذن القديمة التي تندمج مع البيوت بطريقة هندسية توحي بمدى ارتباط الإنسان بالإنسان وكذلك المكان. لم يكن في بيت جدي سقف. كان هناك مدى يرسم ويلون ويخلط ويوازن ويمزج ويغير. فكل لحظة تتحول السماء، وتبدو النجوم في الليل فراشات من نور تبعث بقبلاتها إليَّ.. أتحدث إليها كل ليلة حتى أغفو ولذلك امتلأت أحلامي بالملائكة.أحيانًا تأسرنا مدن ونحبها، بالرغم من أننا لم نعش فيها بما يكفي لأن فيها ذكريات لأحبة وأقارب، وأهل.
وإذا ترسخ المكان في الذاكرة فستعشش على أشجاره كثير من الطيور الأليفة وستملأ فروخها الشوارع والأسوار والأشجار المنتشرة حول البيوت وفي أطراف الأرصفة وحول الأزقة. لا شك في أن المدن هي بعض أكبادنا التي تعيش فينا وفيها نعيش، لأنها أوطاننا الصغيرة.
* شاعرة سعودية