مقام الطائي ومواقد الْقِرَى

 عبدالحفيظ الشمري

10/29/2016
​قرية «توارن» الأثرية على بعد أكثر من ثلاثين كيلو مترًا عن مدينة حائل.. هي معقل حكاية الكرم الأصيل، وتلويحة زمانية، وشواهد مكانية أزلية تحمل دلالات البقاء للوفاء، والخير وحب العطاء، وصورًا شتى عن ذكريات خالدة تنوس جذوة ذبالاتها، فلا نمل نحن أبناء المنطقة من زيارتها وتأملها، بل كثيرًا ما اصطحبنا ضيوفنا وضيوف المنطقة إليها، لنفاخر بهذا الرمز الذي سكن هذه المنطقة، ودوت شهرته في الآفاق.
فالمعلومات المتواترة، والمرويات الموثقة عن كرم «حاتم بن عبدالله الطائي» الذي عاش ومات قبل الإسلام، وأعتنق أبناؤه الإسلام، فعرفت منهم الصحابية الجليلة «سفانة»، وأخيها الصحابي الجليل عدي بن حاتم، رضي الله عنهما، ورجال من طيء ظلوا في رباطهم مع جيوش الفتوحات الإسلامية، ومن أبرزهم «زيد الخيل» الذي كان يكسب الخيل في غاراته المظفرة، حتى أطلق عليه الرسول، صلى الله عليه وسلم، لقب «زيد الخير» تيمنًا بعطاء هذا الرجل ووفائه وصبره وظفره.
فقد دوت شهرة حاتم الطائي في أرجاء الأرض ولا تزال حتى الآن، فالحكايات لا تزال تتواتر على ألسن المفوهين.. هؤلاء الذين لا يترددون في قول كل ما هو خليق بالماضي، وحري بالذكرى التي تبعث على الدهشة، ورغبة الاستفاضة في شرح تلك التفاصيل.
فلا تحتاج في مسيرك إلى قرية «توارن» الأثرية إلى راحلة، أو سيارة كبيرة، أو دفع رباعي أو خماسي أو سداسي، فما عليك سوى السير بأي مركبة عبر طريق إسفلتي ينحني، وينثني، ويتمايل، ويعلو، وينخفض وفق تضاريس الجبال المحاصرة لمدينة حائل.. تلك التي تستمد ضياء عصرها بجذوة تقتبس من نار الْقِرَى لأبي الكرم- حاتم- الذائع صيتًا، والوارف مجدًا منذ بدأت حكايته حتى اليوم.
وحينما تريد المبيت أو السهر ليلاً في هذا المكان، فستلمح تلك الشرارة الأولى المضيئة لأحلام العرب البيض، المقتبسة من نار القرى العامرة بوله الترحال بين تضاعيف الرمل والمفاوز القصية.. ستنيخ رحلك، لتسامر مع مرافقك أهل قرية «توارن» التاريخية، سيسرد على مسامعك الحكاء المفوه، والماهر في سرد القصص واحدة تلوى الأخرى وهو يحثو جمر الخابئة في تعاليل ليل الشمال الذي لا تمل منه أبدًا.
سيحدثك مع مرافقيك كثيرًا عن نار لم تطفأ بعد، وعن حكاية مفرطة في عتقها، وتعمقها في ذات العطاء الإنساني الذي تراسل على هيئة خطاب وجداني، تحن إليه الذائقة التي تميز فنون العرب وعاداتهم، وأصالتهم، وبحثهم عن جدوى الحياة في تلك التخوم القصية.
ستجاذبهم حينما يكرمون وفادتك أطرافًا من حكاية هذه القلعة الباقية منذ قرون.. وسيرة سيدها حاتم بن عبدالله الطائي، الجواد العربي، والرمز الخالد في الوجدان الإنساني.. ذلك الذي سترى قبره بأم عينك.. فهو الذي يرقد الآن بجوار القلعة، رامزًا وعن طيب خاطر للكرم العربي، حتى إن قبره استطال الآن (بنحو اثني عشر مترًا) لفرط تناسخ صور الكرم، فلماذا لا يكونون كرماء حتى في رسم مكان قبر سيد الكرم العربي؟!
قرية «توارن» الأثرية، وقلعتها، وقبر حاتم بن عبدالله الطائي، وحكايات دفينة عن سر بقاء هذا الرمز حيًا ويقظًا في ذواكر أهل تلك الأنحاء هي حالة فريدة، وجديرة بالاهتمام.. إذ ستكتشف مزيدًا من الأسرار حال أن تجلس إلى جوار أي جبلي، فلن يتوانى عن سرد حكاية تاريخ قرية (توارن) و(حاتم) و(قلعته)، وكذلك (مَوْقِدَةُ النار) التي كان حاتمًا يدعو من خلال ضياء نارها الضيوف للقرى.
* قاص سعودي