ليــل نجــــد

 عبدالعزيز الصقعبي

12/29/2016
​بعيدًا عن صخب المدن، حين تحاصرنا الكثبان الرملية، نمارس متعة السهر. جميل هو ليل نجد، نجلس بقرب ضوء باهت، فيتطوع أحدنا بتهيئة النار.
يشوي لحمًا.. دجاجًا متبلاً.. بطاطا.. طماطم.. بصل.. رائحة الشواء شهية.. يتطوع آخر بإعداد الشاي.. ونحن نحتسي القهوة، ونتسامر.
مشهد موسمي يتكرر بصور مختلفة وأناس مختلفين، وأحاديث أيضًا مختلفة.. ليل نجد جميل وساحر.. هذا ما أشعر به.. حين أكون هناك, بعيدًا عن صخب الرياض.. بعيدًا عن رائحة المدن الخانقة.. قريبًا من الكثبان الرملية، والسماء الزرقاء، والقمر محاط بالنجوم يراقب بصمت.
إنها الصحراء.. ذلك الكائن الغامض الذي ينطوي على حكايات مثيرة يعرفها الأجداد.. كنا ابتعدنا كثيرًا عنها، وفقدنا تلك الحكايات، عندما حاصرتنا المدن وشكلت من أجسادنا قوالب تعتمد على كل ما هو غير طبيعي.. الهواء البارد حين يحل الصيف بحرارته الحارقة.. والدفء في الشتاء.. والضوء الذي يبدد كل ظلمة.. نحن نمارس طقوسًا مدنية تخالف أصل الطبيعة لنضمن ممارستنا الحياة.
نهرب إلى الصحراء.. ويكون لنا حظ أن تحف أغلب مدننا وبالذات المنطقة الوسطى والشرقية بصحاري شاسعة.. نشعر بالحنين إلى الرمل.. نتخلص قليلاً من شمع المدن لنضحك.. نرقص.. نتحدث ونغني «يا الله ويا الله.. غفّار الزلّة». عندما نكون في الصحراء نخلع عنا رداء العمل، قد لا نفكر فيه مطلقًا، فتتوطد علاقتنا بذلك الفضاء الشاسع في ليالي الشتاء، حيث نوقد النار ونشعل المتعة دواخلنا.. علاقتنا بتلك الطقوس ربما لا تتجاوز أيامًا.. وأحيانًا ساعات.. ولكن حتى ولو كانت ساعة واحدة فما يبثه الصمت وضوء النار ورائحة الحطب والدفء الذي يسري في أجسادنا بعد تناول فنجان شاي يبقى للأبد. قد يكون هنالك صمت، وقد يكون هنالك ظلام.. ولكن بالضوء المنبعث من اللهب المشتعل تتشكل وجوهنا. فهنالك جانب مضيء وآخر مظلم.. كحياتنا.. قد نعرف شيئًا عن الأصدقاء ولكن ما يهمنا هو الجانب المضيء الذي نراه بأعيننا.. الرؤية محدودة ولكنها عميقة.. وجوهنا تكون أجمل، كلقطات مصور محترف يكتفي بالأبيض والأسود.. لا نحتاج إلى تعدد الألوان.. نستمتع بلون واحد يكون أسود داكنًا، وتخف الدكنة ويتجه اللون للبياض.. وإن كان باهتًا.
في العراء.. نتخلص من أعباء كثيرة.. نترك الحديث عن قضايا الحياة.. فأحمق من يعكر ليل نجد الجميل بحديث عن السياسة والاقتصاد. الجميل أن الصحراء تهبنا كلماتها الخاصة.. حتى أصواتنا تكون مختلفة «ففلتر» الطبيعة يبثها بشكل أجمل.. نتحدث بهدوء نترنم بمقطع أغنية تكون مموسقة في فضاء الصمت.. وعندما نقرر أن نتحدث نبحث عن حكاية خاصة، ربما لا تصلح أن تكتب.. حكاية بها الفرح والحزن.. الخوف والأمان.. الواقعية والخيال.. تتكون من كل الكلمات وكل الحروف.. ولكن لا تنتهي بنقطة.. ولا تزينها فاصلة. كل الحكايات في العراء.. وفي ليل نجد تبدأ ولا تنتهي.. بعضنا يحب الصمت والتأمل مع إيقاع الزمن المتسارع في مدن صاخبة كالرياض بدأنا لا نعرف معنى كلمة تأمل.. وحتى السكون.. دون ضوضاء.
في الصحراء.. من يرغب أن يجلب الضوء فعليه أن يتقبل صوت المولد المزعج.. ولكن الجميل لصحراء نجد نور خاص بها، وبالذات عندما يطل البدر ناثرًا ضوءه على الأفق.. ليستمتع كل من يهرب من صخب المدن إلى الصحراء ببريق حبات الرمل.. هل تأملتم انعكاس ضوء القمر على الكثبان الرملية.. هل تبحثون عن متعة خاصة.. ابحثوا عن ليل نجد بعيدًا عن المدن.. تدثروا برمال الصحراء.