مدينتي تتزين للمستقبل

 هيام المفلح

1/29/2017
​للوهلة الأولى يبدو السؤال بسيطًا وإجابته جازمة جاهزة على طرف اللسان بحروفها صوب «نعم». لو سألنا بصوت عال: مَنْ منا يعرف مدينته التي يسكنها جيدًا؟ ومَنْ يلمّ بتفاصيلها ويحفظ أسرارها في أقصى تلافيف الذاكرة سوى جيل ودَّعنا ومضى؟!
بعض المدن البسيطة تمنح تفاصيلها وأسراها بسخاء لساكنيها وزائريها، وتفوح روائحها لتعبق في أفئدتهم الطيبة المطمئنة بسهولة ويسر، ولكل رائحة ذكرى ونكهة وحكاية تستلذ بها الروح، ولا تتوه في فهمها العقول. تلك هي المدن الصغيرة الوادعة، التي ما زالت تحمل في تفاصيلها أصالة الماضي على الرغم من التطور والحداثة، إذ استطاعت أن تحفظ دفء العلاقة مع ساكنيها فأحبوها لألف سبب.
أما المدن الكبيرة، فلها زوايا رؤية متعددة في عيون ساكنيها وزائريها، ومهما اقتربت الرؤى واستدارت الزوايا، يبق اكتمال الرؤية يشوبه شيء من الصعوبة، لأنها تحتاج إلى لهاث في جهاتها الأربع، وعين بصيرة، وذائقة عالية لالتقاط متغيراتها وتجددها الدؤوب، وهذا هو حال مدينتي الرياض.
الرياض التي عبقت رائحة الطين داخل سورها القديم على مدى عقود طويلة من أحياء اليمامة , ومنفوحة , والشميسي , ومعكال , والبطيحة ، والديرة, وأم سليم, والمرقب, والعود, وسلام, والرفيعة وغيرها. واقترنت أحياء المدينة القديمة بأسماء الجغرافيا، وحالة الطقس، وصفة الأرض، وكذلك بأحداث ومواقف وقصص شخصية وتاريخية، فكانت لهذه التسميات حميمية نقية جعلت القفز من أسوار المدينة العريقة إلى فضاء الحداثة والعصرية، يحتاج إلى كثير من المهارة والخِفة والحذر.
اشتهرت الرياض بأحياء صغيرة وشوارع ضيقة ومتعرجة وغير مضاءة، كشارع الظهيرة وهو صفة للمكان المرتفع عن سطح الأرض، وأم سليم نسبة إلى اسم قد يعني من سكنت المكان، والشميسي نسبة لأسرة عريقة من أهل القصيم. أما منفوحة وكانت تسمى قديمًا «منفوحة الأعشى» نسبة إلى ساكنها الشهير الشاعر الجاهلي «الأعشى»، واسمها يعني نفح الهواء العليل حيث الرياح التي تهب عليها في غالب أوقات السنة.
كل هذا تغيّر وتبدّل وتطوّر، ولكنه ظل ماثلاً في الذاكرة والوجدان، وفي بطون الكتب. ومدينة الرياض اليوم نكاد لا نعرفها لما مرّت به من التطوير العمراني، وما شهدته من نهضة وحداثة وتحوّلات في تركيبة مجتمع الرياض وعادات أهلها وأسلوب حياتهم. والرياض الآن تصنع لنفسها تاريخًا حضاريًا جديدًا يخطو بها نحو مصاف الدول المتقدمة الحضارية. ونحن اليوم في مرحلة المخاض الحضاري، والمدينة تصحو على تحف عمرانية كل يوم، والرياض نشيطة بفعالياتها، ومعارضها، ومهرجاناتها، ومؤتمراتها، وملتقياتها العلمية والترفيهية، وحراكها المتنوع.
فهنيئًا لمدينة الرياض مخاضها التاريخي المثمر، وهنيئًا لنا ازدهارها المرتقب. وندعو كل سائح يزور عاصمتنا الحبيبة أن يبحث في حاراتها القديمة وأوابدها وعاصمتها الدرعية، عن عظمة التاريخ وعراقة الجغرافيا، ونقول له أيضًا، لا تفوتك رؤية مدينة الرياض الحديثة.
* أديبة وصحافية سعودية