المكان الأول.. الرائحة الأولى!

 د.غادة عبدالله الخضير

4/29/2019
​​​​​الحديث عن أول مكان لا يمكن صياغته بسهولة، وقد لا تخدمه اللغة جيداً، ربما لأنه البوابة الأولى المشرعة على الدهشة «الدهشة الطازجة» لكل ما يُشكِّلُنا لاحقاً من تفاصيل صغيرة ملونة ومليئة بالحنين والركض نحو الحياة؛ الدهشة التي لها أن تكون أول عتبة نطل من عليها على هذا العالم الواسع، ونبدأ في فهمه والتعاطي معه.

نشأتُ شمال المملكة العربية السعودية في القريات، في قريةٍ صغيرةٍ جداً آنذاك، نائية، بسيطة، هادئة، لغتها الأولى السكون والبياض والملح.. في هذه الأجواء نبتت بذور لغتي؛ تلك اللغة «الكانت» على السجية تماماً لا عماد لها إلا تلك الطبيعة البيضاء المالحة القليلة التفاصيل، والقليل من أشجار الزيتون وكروم العنب والكثير من الشيح والقيصوم والنفل، وبعض من أولئك الناس البسطاء الذين كانت لغتهم النقية أول كتاب قرأته، وأول درس لي في فصول الكتابة والحياة.
تربيت في كنف ذلك الشمال؛ الشمال برحابته وحكاياه ومروياته الشعبية، بالسمر من رجاله، والشامخات من نسائه، بالشعر الرفيع الذي يزرع في النفس سنابل من القيم، بالقصص والحكايا التي تقيم صلب الليل، وتشعل النار تحت دِلال قهوته، وسيرة الكرم التي في دماء خيوله.
الشمال برحابته؛ الرحابة الشاسعة بكل معانيها، رحابة النفس، ورحابة الروح، رحابة اللغة، ورحابة الرؤية. من ذلك النفود الواسع الرحب بتفاصيله القليلة انتقلت للرياض الرحبة على طريقتها النجدية، الرياض الغارقة بالتفاصيل والوجوه والأماكن، الرياض التي تركت لي باب الحياة موارباً، الرياض التي قالت لي منذ أول لقاء وبطريقة محايدة وغامضة تشبه طقسها وطقوسها: «إن أردت أن تبدئي بالكتابة، وتعقدي صلحاً مع اللغة؛ فعليكِ أن تكوني أنتِ... أنتِ فقط!».
كانت علاقتي مربكة مع الرياض تحتاج إلى قليل من الصبر لفهم دواخلها وتركيبتها؛ ولهذا لم تستطع لغتي وأنا أن نفهم من أين تؤكل كتف الكلام فيها، وأي نص من الممكن أن يعقد صلحاً بينها وبين لغتي، لكن لأنها الرياض الذكية فهمت فيما بعد كم أثرتني بتلك النصيحة حينما بدأت بكتابة عمودي الأسبوعي في جريدة الجزيرة لمدة ثلاثة عشر عاماً، كيف صنعت من اللغة جسراً بيني وبينها ثم بيني وبين العالم على طريقتي وفقاً لمزاجها.
كان للرياض فضل - بعد الله - في منحي تلك المساحات الشاسعة من نخيل اللغة وعذوقها! منحتني تلك الفرصة من الحرية والنضج الذي يسمح لي بقراءة ما يدور حولي من أحداث الحياة؛ ففهمت أن لكل مكان دروسه، ولكل بلاد تعاليمها الخاصة بها.
الرياض التي تقع على يمين القلب أصبحت منزلي الكبير؛ منزلي الكبير الذي يؤثثه الشمال بكل تفاصيله الدقيقة البسيطة التلقائية، وكل ما هو على سجيته البيضاء وفطرته الأولى. مدينتان لهما روح المدينة الواحدة، مدينتان كنخلة باسقة في منتصف «صمان القلب»؛ كنخلة لها جذور ثابتة و«سعف وارف» صنعت لي ظلاً من المحبة أستطيع أن أتحمَّل به هجير هذه الحياة.
• روائية وأستاذ مساعد في جامعة الملك سعود