نورة العيد.. ونوره وبهجة ما مضى

 أحمد الدويحي

6/29/2019
​​​​​​فرحة العيد في القرية قديماً لا تعادلها في نظري أي فرحة، أستنبتُها أحياناً في بعض الأعياد؛ لأشعر أنه ما زال لفرحة العيد موطئ وذكرى مبهجة في قلبي. العيد حالة فرح باذخة يلبسها الناس ويشعرون بها في القرية مبكراً، تبتدئ قبل رؤية الهلال. أستشعرها حينما كانت أمي -رحمها الله- ترسلني بما تبقى من حبوب ادَّخرتها إلى آخر يومٍ في رمضان لتعطيها لمَن يستحقون الزكاة.

وكما للرجال مهمات، فللنساء مهمات أخرى؛ إذ يسعين إلى تأمين مستلزمات العيد من الأطعمة الشعبية، بعد أن يكنَّ قد انتهين من تلوين جدران بيوتهن، وجلب ما يسمى (النورة) أو (الشيّدة)، وهي تربة بيضاء تلوَّن باللونين الأزرق والأخضر، تعجنها النسوة ثم يدهنَّ بها جدران المنازل؛ ليعقبها في ليلة العيد تنظيف ساحات البيوت؛ فتزال منها مخلفات الحيوانات والأتربة والشوك والأحجار.
‏يزحف الرجال والأولاد صباح يوم العيد، يكبّرون وهم يمضون أرتالاً إلى مصلى العيد، حيث كانت تجتمع كل قرى العسلة الخمس في مكانٍ واحد. وحينما يفرغون من الصلاة، والسلام على بعضهم، يتفرقون إلى القرى وكل مَن له بنت أو أخت أو قريبة، يبادر إلى الذهاب إلى بيت زوجها بصحبة الأبناء أو الأشقاء، وقد تكون للرجل أكثر من قريبة في أكثر من بيت، فلا بد أن يزورهن ويعايدهن بمبلغ مالي، ويُعاب على مَن لا يفعل ذلك، وقد يلحق به عار قطيعة حميلته. وإذا كانت تلك المرأة في نفس القرية؛ فإن العادة تفرض أن يمضي الناس، فيدخلون البيت الأول ولا يتوقفون إلا في آخر بيت، فيجدون تنكة تمر وخبزة بلدي وحولها السمن والعسل، يتناول الواحد منهم لقمة أو لقمتين وهو واقفٌ كما جرت العادة ويردد:
‏- عاد من هذا عيده!
‏وعادة ما يكون الفطور جماعياً لبعض الأسر؛ فيجتمع الجيران أو الأقرباء في بيت واحد، يكون غالباً في بيت الأكبر سناً أو جاهاً، ويتداولون ذات النظام ليومين أو ثلاثة، يفرض ذلك حسب التصنيف الدارج، وتحضر كل عائلة قرصاً ودلة قهوة، ويقوم صاحب البيت بتأمين السمن والعسل والمرق، ويحدث ذات الفعل في الغداء الذي تختلف نوعيته، فعادة ما يكون من الأكلات الشعبية الثقيلة مع اللحم؛ حيث تتبارى النساء في إجادة نوعية الطبخ، ولا تخلو المناسبة من تبادل الفكاهة والنكات، والسؤال في عيد الحج عن نوعية الضحية، خشية أن يكون في بطنها مولودٌ؛ فيحرمون أكلها وهم يتبادلون النكات شعراً كقولهم:
يا ولد عيدكم ثنتين
‏واحدة في بطن واحدة
‏وأمكم تبكي بدمع العين
‏وتقل ماني بجاحدة
‏ومسألة حمل الذبيحة لا يمكن إخفاؤها؛ فهم يعرفون ذلك من خلال عملية الذبح المشترك، وقد يميزونها من لون اللحم أو طعم المرق. ويعكف أصحاب الحلال، وخصوصاً النساء والأطفال، على تغذية مواشيهم قبل صلاة العصر؛ لكي لا تفوتهم مراسيم اللعب للنساء؛ إذ يتعارفون على بيت دائم للعب، ويتبارى الرجال في إصابة “النصع” ببنادقهم، ويفتخر كل رجل ببندقيته ومهارة رميه. ولما يسقط المثل الذي نصبوه، يدق الزير؛ فيتراقصون في ساحة العرضة، وهم يغنون:
يا الله اليوم يا ستار
‏ما للأقدار عينه
‏لو بلينا بشب النار
‏فأهل الأفعال بينه