العيش في الأزمنة.. المدن القاسية

 خالد الفاضلي

7/29/2019
​​​​​وكأننا وُلدنا على ظهر سفينة لربانٍ يخشى الموت إن احتضنته السواحل. هذا ما ناله أغلب مواليد الستينيات والسبعينيات؛ حياة راكضة، كلها أزمنة لا أمكنة فيها، وكأن الجغرافيا حجارة شطرنج يجب تحريكها أو تتوقف اللعبة /الحياة. هذا ما ساعدتني مجلة ترحال على فهمه، ودفعتني للعيش فيه مجدداً واكتشاف انتمائي لطيفٍ بشريٍ ضاع نصف عمرهم في ملاحقة الأماكن، وتكرار استبدالها بشكل روتيني، بسلاسة استبدال الملابس.

تغربنا - أغلبنا - من أجل (طبشور) أبيض على لوحٍ أسود على جدار؛ فضاع جزءٌ من عمرنا في إحلال جهل منفلت بدلاً من جهل منضبط. ولم أقرأ أثر الترحال من أجل الدراسة الإعدادية على تكويني الإنساني والبشري إلا لاحقاً، عندما اكتشفت أن أحاسيسي بالغربة؛ الوحشة الدائمة مستمرة معي حتى بعد أن تجاوزت الخمسين.
هنالك طيف عربي واسع انتزعته الدراسة والوظيفة من جغرافية الاستقرار إلى تواريخ الترحال، نسكن في الأزمنة أكثر من سُكنانا في الأمكنة، ولنا ذاكرة صغيرة تتمسك بالألوان القاتمة، وتتناسى كل البقع المضيئة؛ ذلك لأننا عشنا على أغلب الجغرافيا في مزاج حزين، أو غاضب، أو منكسر، كنا نتألم أكثر مما نرى، كنا نزاعين إلى الرحيل أكثر من رغبتنا في البقاء؛ لذلك تعاملنا مع المدن على أنها مجرد محطة قوافل كبيرة، وجادةٌ إلى ما بعدها، تخففنا كثيراً من الذكريات إلا الألم والانكسار.
الآن، وبكل ألم، استوعبت سبباً آخر؛ ففي مدن الثمانينيات لم تولد ثقافة الترحاب بالتلاميذ المغتربين، حتى لو كانوا أبناء القرى القريبة؛ فلا الجيران، ولا الدكان منحونا فرصة عطف، وكأنهم ينظرون إلينا على أننا غرباء في رحم مدينتهم، ستلدهم قريباً، ثم نُوأد في مقابر الراحلين، حتى في مساجد (الحارة) كانوا يتوجسون منا - نحن أبناء الوطن - بينما كانت تلك المدن ذاتها ودودة جداً مع الغرباء الحقيقيين.
الآن، وبعد ثلاثين سنة من ذكريات دراستي في زمن الاغتراب، أتلمس طريقي لفهم عدم قدرتنا كسعوديين (قدامى) على الانصهار بذات سلاسة أولادنا مع الاندماج حالياً، ربما لأننا تألمنا (آنذاك) كثيراً، ولم نك نفهم أننا نتألم، أصابتنا أوجاع كثيرة، نحتت سلوكياتنا وردود أفعالنا. ولأن الأماكن مثل البشر، جسد وروح، لا أجد حلاً للتخلص من كل الألم العتيق إلا بمحاولة الغفران؛ لأنه من سابع المستحيلات أن تلحقك مدينة وتقول لك: “آسفة على كل جرح أصابك مني”، فيا أيتها المدن القاسية؛ كل المدن القاسية.. إني غفرت لك، بشرط واحد: لا تكرري ذات الوجع لغريب جديد!
• كاتب وصحفي سعودي