سادة‭ ‬البيد‭ ‬ رياضة المشي الجبلي مع متعة الرفقة والطبيعة الجميلة

 تحقيق وتصوير: ماجد الحشري

8/29/2019
حين تسير على الطريق السياحي الرابط بين محافظة الطائف ومنطقة الباحة مروراً بمحافظة ميسان، ستلحظ دون شك ذلك المعلم الشامخ؛ جبل بثرة أو ما يُسمى الجبل الأبيض الذي يُعرف أيضاً بجبل إبراهيم؛ تلك التحفة الربانية التي تبهر الأبصار بألوان صخورها البيضاء اللامعة والمياه المنسابة المتدفقة من أعلى قممها إلى أسفل الأودية والسحب المعانقة لها.
جبل بثرة الذي يقع في نطاق مركز القريع بني مالك بمحافظة ميسان على بُعد ما يقارب الـ١٦٠ كيلومتراً من الطائف بينما يبعد عن منطقة الباحة ٨٠ كيلومتراً، كان ولا يزال مقصداً لعشاق الطبيعة ومحبي الاستكشاف وهواة الرحلات الخلوية والمبتعدين عن ضجيح المدن وصخبها؛ المسامرين النجوم، والملازمين الغيوم.
هذه الشريحة أكبر مما نعتقد؛ إذ تصاعدت أعدادهم مع فورة المدنية؛ فهربوا إلى الطبيعة، ومنها الجبل الأبيض؛ ليستمتعوا بالمياه العذبة والهواء النقي، فارشين بساطاً أخضر ممتداً، وعلى مرأى أعينهم الكثير من القرى الأثرية العريقة والصخور والنحوتات العجيبة التي لا تملك معها إلا أن تقول: «سبحان الخالق».
شهد الجبل الأبيض في السنوات القليلة الماضية ظهوراً إعلامياً خاصاً، وتقارير عكست مكانته الطبيعية والجاذبة للكثير من الهواة والمحترفين لرياضة الهايكنج ورياضات الجبال التي أصبحت تجذب الكثيرين من شتى الأقطار باحثين عن ساعات لأجسادهم وأرواحهم تحت سماء صافية وهواء نقي.
ولمَن سبق له زيارة بني مالك الحجاز ويعرف طبيعتها وتكوينها الجغرافي يعلم أنها ممطرة شتاءً، وباردة معتدلة الأجواء صيفاً، كثيرة القمم والمرتفعات والأودية، ذات بساط أخضر في أغلب أيام العام؛ ولذلك كانت رياضة الهايكنج مناسبة لممارستها في مختلف الفصول .

سادة البيد.. الهايكنج الأول
محمد بن مفرج المالكي؛ ذلك البطل الذي أصيب على الحد الجنوبي وتقاعد قسراً، أصبح أول دليل سياحي بالمنطقة وأول منظم لفعاليات الهايكنج أيضاً بالمحافظة، وقد سعى جاهداً لتنظيم الهايكنج الأول بمحافظة ميسان، وبالتحديد في مركز القريع بني مالك، وتكللت جهوده بالنجاح ولله الحمد؛ حيث كان في انتظار عشاق هذه الرياضة عبور الطريق الترابي الوعر لمسافة ٣٨ كيلومتراً من مركز القريع حتى قرية عاذر المحطة؛ ليقضوا مبيتهم في يومهم الأول، ويأخذوا قسطاً من الراحة في ضيافة المواطن مطر المالكي الذي أحسن استقبالهم، وقدم لهم كل ما يحتاجون إليه من دعم؛ ليستيقظوا صباح يومهم الثاني لقطع مسافة ثمانية كيلومترات صعوداً إلى إحدى قمم جبل بثرة، ألا وهي قرية ود الأثرية.
بعد الإفطار الذي تميز بوجود الوجبات الشعبية لبني مالك، كالقرصان والخبزة والعسل والسمن، وبعد تغذية الجسد أصبح لزاماً تغذية البصر بما حواه الجبل الأبيض من تنوع جغرافي عجيب قلما تشاهده في الوجود، وترى في مقدمة الركب محافظ محافظة ميسان الأستاذ عبدالله الفيفي، يتقدم المشاركين البالغ عددهم ٢٠٠ رياضي ما بين محترفٍ وهاوٍ من مختلف الأعمار، وجميعهم يحلمون بالوصول إلى تلك القمة الصعبة.
وقاد الدليل السياحي محمد بن مفرج هذا المسير مرافقاً الرياضيين وهم يصعدون الطريق واصفاً لهم أهم المعالم، راوياً لهم أبرز القصص وما حملته ذكرياته القديمة؛ فهو ابن المكان الذي ترعرع وشبّ في ربى قرية، وكان يتسابق الكبار قبل الصغار إلى سؤاله، وكان يشرح لهم بكل ودّ ومعرفة.

النحل والعبير يقودان المسير
تكونت تلك المجموعة الرائعة من المحبين والعاشقين للهايكنج من مختلف الأعمار والشرائح، يردفهم فريق مختصٌ بالبحث والإنقاذ، إلى جانب مشاركين من مختلف الدوائر الحكومية؛ لكي يظهر الحدث بما يليق أن يكون أول هايكنج في محافظة ميسان من قلب بني مالك الحجاز.
نشط الجمع لاجتياز الصخور والهضاب والأشجار الكثيفة، مستدلين بالدليل السياحي منظمين أيما تنظيم وهم يواصلون صعودهم إلى قرية ود، متحملين المشقة والتعب، ويحدوهم الأمل.
كان النحل يشارك الركب مسيره، ويتنقل بين الزهور والثمار والأشجار؛ ليستقي الرحيق مدافعاً بشراسة عن مملكته، لا ينقطع طنينه، تاركاً لعشاق الطبيعة أجمل الذكريات وأذكى الروائح.
توقف المسير متأملاً نقوش أحد الكهوف الصخرية العجيبة التي نُحتت ببراعة يعجز الفكر البسيط عن استيعابها، ويستحضر العقل المتأمل إبداع الخالق –عز وجل-؛ فسبحان من ألهم وصوَّر.
في تلك الرحلة، كل تفصيل يظل في الذاكرة، وخصوصاً ما يمر بها من مشاعر إنسانية وأفعال نبيلة؛ إذ تمتع وجدانك بالكثير من مشاهد المساندة والمساعدة، والأخذ بيد الكبير والمتعب، والتخفيف وتبادل المشقة، والإيثار في شرب الماء والراحة ضمن لوحات إنسانية رفيعة.

رجال الأعمال أول الواصلين
إن هذا المسير كان برعاية رجال أعمال نبلاء، مكنوا المجاميع من تحقيق غايتهم. وهذا هو الدور المطلوب منهم في هذه الرحلة التي نضعها في مصاف الأمم بمثل تلك المبادرات، كما أن تخفيف الأعباء عن الحكومات مطمح ومطمع يأتي من أشخاص عرفوا معنى الواجب المجتمعي؛ فكان هدفهم الأول النهوض بمجتمعاتهم.
ولا بد لي من ذكر داعمين اثنين كان لهما اليد الطولى في هذه الرحلة، وهما: رجل الأعمال حسن بن قواش المالكي، ورجل الأعمال معتوق بن سالم المالكي؛ إذ عبرا عن فرحهما بتحقيق هذا الإنجاز والمشاركة ولو بجزء بسيط جداً من رؤية المملكة ٢٠٣٠.
بعد مسيرة ساعتين فيهما من التعب والمتعة ما لا يُوصف، وصلت وفود الهايكنج إلى قرية ود التاريخية؛ تلك القرية العريقة التي ما زالت صامدة أمام العوامل الجغرافية مكونة لوحات فنية مذهلة بنحوتات وتجويفات وتعرية لجبالها وصخورها وحصونها.
وتقع قرية ود على إحدى قمم الجبل الأبيض الكثيرة، وهي قرية ممتدة منبسطة تتوسطها المزارع والآبار محفوفة بالقلاع والحصون المنيعة؛ لتشكل لوحة فنية طبيعية ملهمة بحق وتستحق عناء المسير.
لم يصل إلى قمة جبل بثرة إلا القلة القليلة من المغامرين؛ إذ إنها ترتفع ٢٦٠٠ متر عن سطح البحر، وهي قمة ليست بالبعيدة عن قرية ود، لكنها أشد وعورة، وقلما يدل طريقها الرحالة لتشابه المكان وتكوينه على القمم إلى جانب وجود الكائنات المفترسة كالنمر العربي والذئب والضبع وغيرها.
التقط الجميع أنفاسهم بعد أن استظلوا بين الصخور العملاقة التي كونت لهم ساتراً طبيعياً تناولوا تحت ظله شاي الجمر، وشربوا من مياه الآبار التي لا يزال يحافظ عليها رعاة الغنم، ناصبين خيامهم، منتظرين رحلتهم الاستكشافية أن تتواصل بعد (استراحة محارب).
نهض الجميع، وانطلقوا بكل شغف لتفقد القرية وما حوته من معالم وطبيعة وآثار رائعة، من بيوت قديمة وقطع أثرية نادرة وآبار عميقة وقلاع منيعة إلى جانب الصخور البديعة والكهوف المجوفة في مشهد تملؤه الزهور النادرة والطيور الغريبة والمدهشة بألوانها
​​​
​​​
​​​