الطائف... أن تطوف بك الذكريات والحنين

 طلال الطويرقي

8/29/2019
​​​​​أن تصحو على الغيم وأنت على قمة شاهقة من سلسلة جبال «غزوان» ذاك لعمري هو الجمال!

الطائف أو كما يحلو للشعراء تسميتها «دلوعة الغيم»، هي السحابة والمطر، هي القُبلة ووردة العاشق، هي مشمش الفرح وعنب الذاكرة. الطائف بشوارعها وحقولها وزواياها هي مدينة النشأة والذاكرة، أتذكرها كحلم يبزغ لوهلة، لكن نشوته تملأ القلب فرحاً، والجوانح جمالاً ودهشة.
سأعرج بدءاً إلى المسمَّى؛ إذ يقال في المرويات عن الطائف: إن إبراهيم -عليه السلام- حين ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل في مكة، كانت مكة « حينئذ » مجدبة، قاحلة، لكنه نزولاً عند أمر ربه تركهم ومضى. كان الخوف على أهله كبيراً؛ فدعا دعاءه الشهير وغادر مكة. وكما قيل: إن الله استجاب دعاءه؛ فانتزع جزءاً من أرض الشام، وحملتها الملائكة وطافت بها في البيت العتيق ووضعتها قرب مكة، وسميت «الطائف» على خلاف في التسمية بين طواف الملائكة بها، وبين طواف سورها القديم حولها، لكنها كانت المدللة والمطوقة في الحالين: حال المروية، وحال الواقع، رغم أن الواقع متأخر كثيراً عما يقال.
ما قادني للحديث عن المسمى وبجزئه الشفاهي تحديداً هو أنني في عام 2000م تقريباً، كنت اصطحبت مجموعة من الأصدقاء الأدباء الشوام لزيارة الطائف والتمتع بقضاء بعض الوقت في ربوعها والاستمتاع بهوائها العليل صيفاً. تجولنا في (الهدا) و(الشفا)، وكنت أراقب عن قرب ردود فعلهم؛ كانوا يتأملون كل شيء: تربتها، صخورها، جبالها، وحتى منتجاتها الزراعية: المشمش، العنب، التين، الرمان.
قال أحدهم: كل شيء هنا يشبه غوطة دمشق؛ الصخور ولون التربة والهواء.
وسألني الآخر: قرأت في مدخل المدينة لوحة: أهلاً بكم في مدينة الورد؛ فأين هو الورد؟ لم نره!
قلت له: إن موسم الورد عادةً يكون في الربيع، في مارس تحديداً، ونحن في الصيف الآن.
كثيرة هي الطائف بذكرياتها وفنونها وطربها، كثيرة جداً، لكني سأوغل في ذاكرة الطفل هناك عبر رحلة يومية كنت أدرج فيها مخفوراً بالمقاهي واللحن، بالطفولة والسكينة.
كنت أخرج مع والدي -رحمه الله- متجهين إلى باب الريع، كانت المقاهي هناك موئلاً لأبناء القرى حديثي القدوم إلى المدينة من النواحي، كانت تعيد تشكيل الدفء القروي في المدينة، تعيد الدفء إلى العلاقة، والحياة إلى المصب.
كنت طفلاً أسمع الأغاني الحجازية لفوزي محسون، محمد علي سندي، طارق عبدالحكيم، يحيى لبان، وغيرهم، كان ورد الغناء الحجازي أول الغرس في آنية الطفولة. وكانت القرية ببساتينها وغراس الرمان والعنب والمشمش وغيرها حافلة بالجمال.
وحين تذكر الطائف؛ فلا مفر من ذكر المجرور؛ هذا الفن العريق الذي يعود إلى ستة قرون وفق ما يذكر عن تاريخه.
تعرفت هذا الفن طفلاً في أعياد القرية، كنت أوغل في أفواه المغنين على وقع الدفوف والطبلة وإيقاع الرمبا، وأغيب هناك مستعيداً الدف الذي اشتراه والدي ليعلمني المجرور، كانت الأصوات تعلو وتنزل على سلم هذا الإيقاع الجبلي الفريد والصعب في آنٍ. ونظراً إلى سحره وصعوبته أصبح المجرور بطاقة مرور أي فنان إلى عالم الفن؛ فالسمّيعة الحجازيون لا يرضون بغير هذا الرهان لفتح آذانهم للقادمين إلى الضفة الغنائية. ولذا؛ كان المجرور والدانة عمق الفن الحجازي الفاتن، ونادراً ما تجد فناناً حقيقياً لم يصدح بهما.
ولأن المجرور طائفي كان أبي، وكانت الدانة المكية أمي؛ لذا يطيب لي القول دائماً: أنا ابن المجرور والدانة، ابن الجبل وتهامة.
• شاعر من الطائف