الطائف... مدينة الأغنيات والعشق الخالص

 الكاتبة : لطيفة قاري

9/29/2019
​وهل يمكن لمن نبت في أرضها ألا يكون متصوفاً يسبِّح آلاء الليل وأطراف النهار؟! تركتها منذ خمس سنوات، وكلما هزني الشوق وعدت إليها؛ يخفق القلب بكلمات الرائع أبو بكر سالم بالفقيه:

«يا مسافر على الطائف طريق الهدى
شوف قلبي من البارح ما هدا».
أسفل الجبل درجة الحرارة تجاوزت الأربعين، وكلما تهادت السيارة في منعطفات الجبل:
«نسم علينا الهوى».
والغيم والبرد... تصعد وتصعد وتصعد حتى تعانق أشجار التوت والتين والمشمش، تتلألأ بكل ألوان الطيف، وتثمل الروح بروائح الأرض المنداة بالهتان، ثم تنبسط كراحة الكفّ تحيط بها أصابعها.
الجبال تحضن سماءها المتوشحة بنكهات الفصول. زوارها يعرفون الصيف. مَن ارتحلوا عنها من أبنائها يكابدون غربة الروح.
عشاقها أهلها...
وأهلها فقط مَن كشفت لهم الطائف عن أسرار فتنتها. طافت بهم جبال الشفا وقرى المحمدية وذروة جبل دكا. فتحت صدورهم وخبأت فيها باقة من وردها المسكر وأغلقتها على عجل، وقالت:
«سلام عليكم
ادخلوها…».
ووقفت أمامهم بكامل سحرها.
زوارها لا يعرفون سوى الصيف، مريدوها مأخوذون بالسِّحر؛ سحر الفصول الأربعة التي تتلون فيها بكل العذوبة. كل صباح حكاية، وكل غروب حكاية، وكل سهر حكاية.
أول الخريف «هب الهبوب وقلت يالله عسى خير».
وسط الخريف «ورقوا الأصفر».
نهاية الخريف «رجعت الشتوية»، وفيروز يردد صوتها الوادي.
«وكنا في أواخر الشتا» عندما أمطرت وتساقطت زهور البونسيانا ببنفسجها سالت مع مياه المزاريب إلى أسفل الوادي.
الربيع الورد...
«هل تحممت بعطر وتنشفت بنور؟
وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير؟»
هل شممت ورد الطائف؟ هل تذوقت رمانها؟ وهل غرست أسنانك في لحم خوخها الغض؟
هل بكيت من فرط النشوة والجمال الذي يتقطر في روحك؟
في الطائف تكتبك القصيدة، وتسكنك فيروز، وترشف قهوتك مع محمود درويش.
ويثملك العشق؛ حتى تدور حول نفسك.
كما الأرض...
كما الحياة...
كما المتصوفين...