نوتة الترحيب موسيقى‭ ‬الكرم

 تحرير: عبدالعزيز المطيري

10/29/2019
صنعت الشعوب لغاتها وموسيقاها، وأيضا مفردات تنقل المشاعر، ودلالات على أعماق صاحب الصوت ونواياه، لذلك كان الصوت الترحيبي منحوتا دوما من معدن الروح، وكأن العيون مصدره، وليس الحناجر فقط.
زاد العرب في تعظيم نحت مفردات الترحيب استجابة لقسوة صحاريهم وتوالي أزمنة جوعهم، وسكبوا عليها مفاتيح سرية (لهجة، لكنة، نبرة) من أجل غايات تمتد من مفتاح أمني (لتمييز الحليف عن العدو)، إلى اجتهاد كبير في إزاحة الحرج عن الضيف، مرورًا بالخضوع للكرم عندما أصبح عند العرب في صدارة صناعة المكانة الاجتماعية قبل الشجاعة.
كانت اللغة بنت الجغرافيا، تُولد وتموت فيها، إلا إذا امتدت مساحات الأمن ولقمة العيش، فإن المفردات أيضاً ترتحل.. تنتقل.. وتتزاوج ثم تصبح للجميع، ثم تتحول المفردات والصُيّغ «التعبيرية» إلى أحد أنماط الموروث، كذلك يفعل السعوديون، يرثون عن أجدادهم أصوات ومفردات ونغمات ترحاب، يزرعونها في أرجاء وطنهم أينما حلوا.
مرحبا ألف ... أنموذجا
تأخذ الصيغة الترحيبية في مواسم السياحة مكانة «الشعار»، أو العنوان الدال على زمان ومكان موسم سياحي محدد، أو للدلالة على تصدير نسيج متجانس من موروث واسع وعميق، فدلالات «مرحباً ألف» واضحة جغرافيًا وثقافيًا للسعوديين، تفتح بسرعة البرق ملفات مخزونة في الذاكرة الجمعية.
تم اقتطاف «مرحباً ألف» من الدارج اللطيف الخفيف لإحدى لهجات جنوب السعودية، واتسعت الجغرافيا تحت حروفها حتى أصبحت «علامة سياحية واجتماعية» على كل الجنوب، تتواجد في أول كلام الكرم، للحبيب والغريب، يتم بها استقبال الضيف ووداعه.
توشك «مرحبًا ألف» على حيازة رقم الصدارة في قائمة الجمل الترحيبية السعودية، لأنها صوت لين عفوي صادق وملتصق بالقلب، متناسق لا نفور فيه، يمنح حتى غير الناطقين بالعربية يقينًا بأنها كلمات «سلام وترحاب»، ولها إيقاع مبهج عندما تتراقص على أفواه غير الناطقين بالعربية، العاملين في الفنادق والمطاعم.
كانت «مرحبًا ألف» نبتة في حيز جغرافي محدد، ثم انتثرت ثمارها في أرجاء السعودية، كبقية الكلمات الترحيبية، المنقولة حرفًا وحبًا على ألسنة الوارثين لها، المؤمنين بأن ما زرعه الأجداد في ديارهم، قابل لإعادة الزراعة في كل زوايا المملكة، وكأحد دلالات توحيد البلاد.
من ناحية ثانية، عندما ينطق أحدنا في رحلة غربته - في أسفاره وترحاله - جملة أو كلمة من موروث أجداده، فكأنما استحضر جزءًا من دياره، فالكلمات جزء من ديارنا نحمله معنا كتذكار خفيف الحمل، ثقيل المعنى، إنها جسور تربطنا بأوطاننا.
​​​