هل كان سِرًا .. أم سرُ الجمال لحياة شفيفة؟

 هيلة المشوح

11/29/2019
​​​فوق رقعة النفود المتموج كحرير يتسربل بلون الذهب تنتشر نُقُوشٌ من الأخضر بكل درجاته لتمتزج الطبيعة بألوانٍ لم يخطُّها فنانٌ على لوحة، بل خطها الخالق في قلب نجد، ومكمن سرها. هكذا يمكن أن يرى الأرض من يُحلِّق في سماء السِّر، إقليم السر الغني بخيرات الأرض، ببلداته المتفاوتة حجمًا، والمتماثلة قيمًا وكرَمًا. منطقة السر التي تحيطها المزارع والحيطان، وعيونٌ تضخ من جوف الأرض الكريمة لتشبع طبقاتِها وتروي عطش صياهدها ونفودها المتموج.

على الرمال الذهبية، ورمضاء النفود وعروق البطيخ الممتدة ما امتد النظر، وكروم العنب وعريشها البارد، وشجيرات الطماطم التي تزين المزارع كقناديل تتدلى من بلور أحمر، بين سواقي المزارع ورذاذ الِبرَك، وأصوات مكائن الري، والأثل والغضى والغرانيق والصفارى، بين مرتفعات صفراء غربًا ورمال النفود شرقًا؛ تقبع في باطن السر قريتنا «البرود»، تعقبها ساجر وجفن والسكران والفيضة. هناك كانت طفولةٌ حرةٌ تعانق في نشوتها سحابًا يسقف الصحراء الملتهبة. طفولةٌ محلقةٌ كطيور القماري، وشامخةٌ كشموخ نخيل "الحلوة"، وبراءةٌ وصفاءٌ لا يضاهيهما إلا صفاء سماء ليال السر، وبريق نجومه.
«البرود» هي مسقط رأسي، وبلدة أجدادي. كان يطلق عليها قديمًا «قصر بسام» معقل كتمة بني علي من قبيلة حرب في حاضرة نجد، ومحط قوات الشريف في معركة قصر بسام الشهيرة عام ١٢٠٥ بين قوات الشريف غالب وشجعان البلدة العصية التي ضربت مثلًا باستبسال وصمود سكانها التي قاومت المدفعية وحصنت أسوارها بشهامة وكرامة كما ذكر في تأريخ ابن غنام وابن بشر وابن جنيدل.
وسط نجد تقبع منطقة السر وتتناثر على رقعتها قرى كعقد لؤلؤ انفرط على رمال النفود؛ ستون قرية وهجرة، وأربعون عينًا كانت تتدفق زلالًا وعذوبة قبل أن تستنزفها الآبار الارتوازية، وتَمدُّدُ الرقعة الزراعية والسكانية. فقد كانت المنطقة تعد من أفضل مناطق المملكة خصوبةً في التربة، مع وفرة مياهها الجوفية.
لن تتميز طفولتك مالم يتميز مكان نشأتك، وطفولتي كانت متميزة بالمكان والزمان؛ فالمكان هو السر بكل جمالياته وهدوئه وكرم سكانه بحاضرته وباديته، والزمان هو زمان لم يخالطه زيف المتنطعين ولم تنقلب فيه موازين الطبيعة البشرية والدين السمح والعادات الممزوجة بقيم نجد ونبل سكانها؛ حين كان الجار يصنع الرغيف والآخر يفتح بابه جازمًا بنصيبه، وحين كانت تنضج ثمار المزرعة ولا يهنأ صاحبها دون أن يقتسمها مع جماعته، وحين كان صفاء النفوس يغلب كدر الحياة. حين كانت القيم تتقدم مغريات الدنيا وصخبها.
وأن يكون ترحالك نقلةً من نفود السر ومساحات الرمال وحرارة صحرائه، إلى مدينة تعج بالضوضاء والصخب والغرابة كمدينة «بانكوك»؛ فهذا في ظني هو الصدمة الجغرافية الحقيقية، لا الحضارية فحسب. وقد انتقلت في سن مبكرة برفقة زوجي الذي كان يعمل آنذاك رئيسًا للقسم القنصلي لسفارة المملكة في بانكوك، فكان هو بداية الترحال من الهدوء إلى الصخب الذي لم يلغِ تلك الذكريات، التي طبعت بالبراءة والتميز في عمق نجد وسرها.
• كاتبة سعودية