أبها.. مرحبًا هَيْل عداد السيل

 عبدالله ثابت

12/29/2019
​بدايةً هذه لمحة تاريخية سريعة؛ أقدم ما جاء في التاريخ عن عسير هو ما ورد في كتاب (صفة جزيرة العرب) للمؤرخ الحسن بن أحمد الهمداني (280هـ – بعد 336هـ) إذ قال: «ويصالي قصبة جرش أوطان حزيمة من عنز، ثم يواطن حزيمة من شاميها عسير قبائل من عنز، وعسير يمانيةٌ تنزرت، ودخلت في عنز، فأوطان عسير إلى رأس تيّه، وهي عقبةٌ من أشراف تهامة، و(أبها) وبها قبر ذي القرنين فيما يقال، عثر عليه على رأس ثلاثمائة من تاريخ الهجرة. والدارة والفتيحا واللصبة والملحة وطبب وأتانة والمغوث وجرشة والحدبة، هذه أودية عسير كلها» (1)

كتب أ. علي عسيري عن عسير: «رغم كبر مساحة عسير وكثرة سكانها إلا أن اسمها لم يكن معروفًا عند معظم من كتب عن جزيرة العرب في القرن الثالث عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي» (٢) فالكابتن كيناهان كورنسواليس في كتابه (عسير قبل الحرب العالمية الأولى) قال: «اسم أبها هو في الظاهر حديث الأصل، حيث أن الرحالة تاميسير في عام 1835م يشير إليها باسم مِناظر، كما هو مثبت في معظم الخرائط آنذاك، وبيوتها مبنيةٌ من الحجر، وكثيرٌ منها مؤلفٌ من طابقين أو ثلاثة طوابق، ويبلغ عدد سكانها تقريبًا 10000 نسمة، بما في ذلك الضواحي، وعلى مدار ميلين من نصف قطر المدينة توجد أربعة تلال محصنة تحصينًا قويًا، وتشكل دفاعات قوية عن هذه المدينة، وهذه التلال هي جبل ذرة إلى الجنوب الشرقي، ويقال إنه المفتاح لكامل موقع أبها، وقلعة النساب إلى الشرق، وجبل ضبعة إلى الشمال، وجبل أبوخيال إلى الجنوب والجنوب الشرقي».(٣)
وتحفل عسير بثراء اجتماعي عميق التنوع والوجدان، يتمثل في تفاصيل الحياة وفي مجالس العلم وكيانات الأسر وتوليفة المجتمع والمباني والفنون الزاخرة في عمارتها، من الخارج والداخل، كفن «القط»، وكذلك الأطعمة والعادات والتقاليد عامة، مثل الأعياد والختان والزواجات والسمر والأزياء، كما تحفل منطقة عسير بنقوش تاريخية ضاربة في القدم.
والآن سآخذكم في رحلة إلى عسير، تحديدًا إلى قريتي «العثربان»، مطلع جبل السودة غرب أبها، فهيّا لأفتح لكم سبيلًا من العشب والماء والحياة إليها..
أستقبلكم في بيت أهلي، وقبل أن نخرج لجولة صغيرة في القرية، سأطلب منكم أن تقفوا بالشبّاك الذي كانت تطلّ منه زهراء محمد عسيري - أمي - على الوادي الكبير كل صباح، ذلك الوادي الذي تشرف عليه القرية ويقسمها إلى جهتين.
سنعبر أماكن كثيرة، ولكل مكانٍ هنا داخل القرية اسمه، ولكل اسمٍ حكاية.. سنمرّ ببعضها، مثل رأس أمشعبة وبير الخضرا وذات أمسرّة وذنب النصب والفريض ونهران وذات امّروة والكظامة، مكان مخصص لتخزين الماء، والجرين الذي يقيم به الأهالي الاحتفالات واستقبال الضيوف، والقصبة المنصوبة كالقلعة على رأس القرية للحراسة.. إلخ، وهناك في الضفة الأخرى من الوادي، تقع مقبرة سحوان حيث يرقد أهالينا وبها تنام أمي رحمها الله.
لقد عاشت أمي زهراء كل حياتها تحرس هذه القرية وتعمرها بالحياة، وكان عظيمًا أن يكون بيتها الأول مطلًا على الوادي من جهة، وبيتها الأخير مطلٌ على الوادي من الجهة الأخرى!
أما أبها فقد كانت مركزًا حضاريًا ومدنيًا بما تعنيه الكلمة، وما تحمله المدن من الحكايا والذاكرة. سترى تنوعها البديع في كل شيء، بما في ذلك تسميات أحيائها، ستجد مثلًا حي اليمانية وحي البصرة وحي لبنان، وإبان حرب الخليج 1990م أقيم حي كامل باسم الكويت.. إلخ.
كما أنها احتفظت، منذ القدم، بتركيبتها السكانية الفريدة، مكونة من أهلها مع خليط اجتماعي، من كل جهة، سواءً من داخل المنطقة أو خارجها أو حتى من البلدان العربية.
أخيرًا وعلى عادة ناسنا هناك: مرحبًا ألف، مرحبًا هيل عداد السيل، مرحبًا تراحيب المطر، أرضكم وبيتكم ومحلّكم، والله يحييكم كل حين.