أدمة شمران.. ميلاد القصيدة وموسيقى الحقول

 محمد حامد

1/29/2020
​​جغرافيًا، في الجزء الثالث من سلسلة جبال السروات الممتدة من عسير جنوبًا إلى جبال عرفات شمالًا، على الحافة ما بين تهامة والساحل غربًا والبادية شرقًا، على طريق الطائف أبها تسكن قريتي "آل غريبة" في أدمة شمران. مكان تخلقت فيه مثل نبتة بين الصخور، كغصن الحقول الذي قاوم الصلابة والمنحاز إلى حيوية الأشجار وضرورة التكيّف مع البيئة؛ في منطقة محاطة بالجبال مثل سور لا يخترقه ضوء الشمس ولكن يقفز فوقه في وقت متأخر من الصباح، عندما كان يأتي النهار أولًا ثم يصل الضوء بعد أن تفسح له الأمهات مقعدًا أمام عتبات الأبواب حيث يجلس الآباء مطمئنين لحصتهم من البركة والشروق، وإذا ما حل موعد الليل جاء الظلام وتبعه الغروب.

أدمة شمران، من زاوية علوية تبدو وكأنها مسكونة بالأودية التي ترسم دروبها في الجبال وتتشعب بين الحقول، ثم تأتي البيوت وكأنها نبتت لتهب السكينة للريحان و"الغراز" والقمح وتعتني بالسدر والعتم. مكان مؤثث فطريًا بالطبيعة وثمره الناس، وكل بيت هو تضامن وحالة سلم مع حجارة الجبال. في مطلع الثمانينيات الميلادية ولدت في بيت حجري يمر من عند بابه وادٍ صغير، كأنما المطر هو الضيف الأول والمعتاد، وقبل أن أعرف لغة الكرم والترحاب مرنت حلقي بالبكاء والصراخ مثل فلاح يفزعه أن يفوته نصيبه من السقاية والرعي.
كنت طفل القسوة اللين، تشكلت أول لحظات حياتي بالقرب من التحديات، وقبل أن يحين موعد ركضي كان توقيت الانتقال إلى منزل جديد مبني من الطوب يبعد مسافة قصيرة عن البيت الحجري، وفي هذه المسافة ما بين وصولي وانتقالي كانت "صنادق" الغنم تستقر وتعيش حظيرة الدجاج منبه الصباح، وعصافير اليقظة هي إعلان موعد الغروب والرجوع.
وهناك، بعد الطريق الأسفلتي الذي يربط القرى مثل حبل أسود، كان "الشعب" مزرعة جدي وأبي وأنا. "عوال" الأرض والمطر، هناك عند الجبل الذي حفرناه بأطراف أصابعنا وركضنا حتى يخرج الماء الذي نتذكره قديمًا في الوادي، نغرس الرمان والعنب والحماط بديلًا عن الطلح، ندس أمنياتنا في الطين قصبة قصبة، ونرى الغد في مرجحة السنابل قبل الحصاد.
كبرت وأنا ابن القرية، وأنا الفلاح والراعي المفتون بلغة الريف تعلمني الكتابة والمحو، كبرت وقصيدتي أثر خطواتي على الطين والخدوش على ساقي وذراعي، وذاكرتي معبأة بالمواسم وصرير النوافذ ورقصة الظلال وسكون الليل ونباح الكلاب وعواء الذئب في الخرافات.
سافرت بعيدا بجسدي، وخبأت حواسي ودائع تعيدني إلى قريتي كلما هبت نسمة حنين، وكلما رغبت في العودة كنت أدخل إلى أدمة شمران من الجهة الشمالية، تصادفني "البشائر" المدينة التي خرجت من رحم القرية، أكون في مرتع عالٍ يطل على طفولتي والجبال تسند الغيم، ثم أهوي كدعوة مستجابة تحققت إذا ما وصلت إلى بيتنا.
عشت طفولتي وربيت كلماتي مثل حياتي، حكايتي لا تشبه حياتي إنما حياتي تحاول أن تكون شبيهة بحكايتي، لأني خلطت بيت الحجر المتماسك بالطين وحتى الطوب وألوان الجفاف على المنازل بالتجدد في مستودع الحركة والتغيير على الحقل والنبت والثمر، لأني سلوت بالقصص والسوالف والقصائد تغذي الانتظار والترقب والتحفز والسأم، امتلأت بالحكايات ممزوجة بالمبالغة، بفتنة القص وسحر الغواية في تشتيت التنبه عن المخاوف، خرجت من القرية فلاح السرد وراعي النصوص، الورقة حقل والكتابة ماء روحي ودهشتي، وعشت وأعيش لأعتني بقصة وأبذر فكرة، وأقطف العناوين محصول الشتاء والمحاولة.
من القرية ولدت كلمة، وأكبر لأكون شجرة من الحناء، لأن أمي تحب أن يكون "القرص" أكثر ما أظنه بصمة أصابعها وطعم راحتها في صدري.
• كاتب وروائي سعودي