مصطفى الصهلولي: عدسة ابن الجبل تصوغ تفاصيل مدهشة

 الكاتب خالد صالح الفاضلي

2/29/2020
​​تصوير: مصطفى الصهلولي

يتوجب الوقوف - قبل تحريك الصورة - عند قدرة الجبال على الإمساك بالتاريخ" لغة، لباسًا، طهيًا، وإنسانًا " أكثر مما تفعله بقية تكوينات الجيولوجيا؛ فجبال الصهاليل حاضنة لإنسانها، لباسه، لغته، وكذلك حزمة الأخلاق وأساليب طلب الرزق، وكأن آخر سبعة آلاف سنة مجرد أسبوع.

كانت جبال الصهاليل مزوية تحت رداء البعد الجغرافي، خفية خلف ظهر الدروب العسيرة، وعندما ينزل أحد ساكنيها إلى قاعدة الجبل لا يجد كلمات تكفي لوصف أعلاه، أو ربما لا يُكثر أو يمدح خشية الحسد، لذلك مرت عقود مديدة لم يصعد التلفاز لها جبلًا، ولم تختر لها الصحافة قلمًا، إلى أن انفجرت التقنية بخيارات سمحت لمجموعة شباب في مقدمتهم مصطفى الصهلولي أن يجعل ملايين الناس تتمنى امتلاك دار على متن أحد جبال دياره.

تتمدد الصهاليل على قمم جبال بارتفاع ثلاثة آلاف قدم أو أكثر، مدرجات زراعية، أودية، شلالات، عيون جارية، تتقاسم أكثر من عشرين ألف كيلومتر مربع.



يظن سكانها أن لون السماء أبيض، وأن لون التراب أخضر، لأنهم بين ضباب وغابات، ومجتمع أحادي القبيلة يفرض قوانين صارمة ضد الصيد الجائر والاحتطاب، ومنشغل بزراعة مقومات الأمن الغذائي الرئيسة (قمح، ذرة، شعير، دخن، بر)، ثم زراعة أطراف المائدة (مانجو، ليمون، موز، جوافة، تين)، وبينهما كل متطلبات الطهي (البصل، الفلفل .. إلخ).

كانت الكلمات أقل من أن تصف ديارنا، ثم أتت الصورة وحققت فرقًا كبيرًا، لكنها لا تزال أقل من أن تصف جبال الصهاليل وشقيقاتها، لذلك لا تكتفِ بما تراه، تعال وتناول الثمار من يد الجبل.

تمتاز جبال الصهاليل وشقيقاتها (جبال هروب، الريث، فيفا، وغيرها) بأنها لا تستقبل الشمس إلا متعطرة بالكادي والنرجس، ولا تودعها إلا بالريحان والخزام؛ فجبالهم وإن التفت بالصخر القاسي فإن بين شقوقه رؤوس النباتات العطرية تنتظر النسيم يمر ويأخذ عطرًا، لكنه عطر لم يك يسافر إلى "آخر الدنيا" إلا بعد أن جاء مصطفى الصهلولي قبل عشرين عامًا، و نذر وقته - وكاميرا (سوني) سوداء صغيرة - لتوثيق جرائم جمال ترتكبها الطبيعة.

يقول مصطفى إنه حتى تجاوز الخمس عشرة سنة من عمره كان يعتقد أن كل الديار"جبال خضراء، مدرجات زراعية، ضباب، شلالات ونباتات عطرية"، إلى أن انزلق مع أحد أقاربه من قمة الجبل إلى القاع فوجد أن الأرض مختلفة، والناس واللهجة، ثم احتاج إلى خمسة أعوام إضافية لمعرفة عالم التصوير، تبعتها سنوات إضافية قبل الانكشاف على عالم الإنترنت وصفحات"الفيس بوك"، وأول صورة ينشرها.

يمارس مصطفى الصهلولي شحنًا يوميًا لذاكرة أشهر مواقع التواصل الاجتماعي، صارخًا فيها - بالصورة وليس الصوت - هذه دياري، جبالي، أشجاري، أوديتي، شلالاتي، وضباب يسير تحت أقدام الناس، ولأنها جبال متقابلة، وارتفاعات متفاوتة فإن المسافات داخل كل صورة تخطف أنفاس الناس عين "هوليودية" تسكن أحداق رجل يفاخر بجمال طبيعة دياره، ما خلق استفسارات ورغبات بزيارة الجبال، ومصافحة يد رجل صنع خلال عشر سنوات متتالية علامة سياحية من الدرجة الأولى لقمم جبال كانت لا تنعم برؤيتها إلا عيون أهلها، كعروس في خدرها.​​